في تحركات متدرجة وخطة متعددة المسارات، حاولت جماعة الإخوان المسلمين توظيف سيناء كمنصة لإعادة إنتاج نفوذها، عبر خلق بيئة أمنية هشة وواقع ديموغرافي مغاير، يمهّد لإقامة كيان موازٍ خارج سيطرة الدولة. لم تكن التحركات عشوائية، بل اعتمدت على تفكيك تدريجي لمفهوم الدولة داخل المنطقة، من خلال تغذية بؤر التوتر، وإتاحة المجال لتمدد عناصر متشددة، بما يفرض حالة من السيولة الأمنية، تسمح بإعادة رسم خريطة السيطرة خطوةً بعد أخرى.
استغلال الطبيعة الحدودية
راهنت الجماعة على الطبيعة الحدودية لشبه الجزيرة، في تمرير الدعم البشري واللوجستي، وخلق امتدادات غير منضبطة، تعزز من فرص ترسيخ نفوذها، وتحويل المنطقة إلى نقطة ارتكاز لمشروع ذي طابع أيديولوجي مغلق. وفي هذا السياق، قال طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي المنشق، إن ما جرى في سيناء كان جزءًا من مخطط مرحلي، استهدف إنهاك مؤسسات الدولة وخلق بيئات حاضنة لعناصر متشددة، تمهيدًا لفرض واقع موازٍ.
استغلال فترات الاضطراب
وأضاف أن جماعة الإخوان سعت لاستغلال فترات الاضطراب لإعادة التموضع، عبر بناء كيان قائم على مرجعية أيديولوجية، مستفيدة من الخصائص الجغرافية المعقدة للمنطقة، بما يسمح بمد هذا المشروع بعناصر دعم من خارج الحدود. وأوضح في تصريح لـ«الوطن» أن هذا التوجه يعكس استراتيجية أوسع، تعتمد على إنشاء مناطق رخوة يسهل التحكم فيها، بعيدًا عن سلطة الدولة، وبما يخدم أهدافًا تتجاوز الإطار الوطني.
إعادة هندسة المجال السكاني
بدوره أكد عمرو فاروق، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن مخططات الإخوان الإرهابية اعتمدت على إعادة هندسة المجال السكاني في المناطق الهشة، عبر الدفع بعناصر موالية فكريًا وتنظيميًا، بما يخلق بيئة قابلة للاحتواء والتوجيه. وأشار في تصريحه لـ«الوطن» إلى أن الجماعة عملت على توظيف الخطاب الأيديولوجي كأداة للتمكين، من خلال خلق روايات بديلة تستهدف فك الارتباط بين المواطنين ومؤسسات الدولة، بما يسهل تمرير مشروعها القائم على السيطرة غير المباشرة.
نمط متكرر للتنظيم
وأضاف أن ما جرى في سيناء يعكس نمطًا متكررًا في تحركات التنظيم، يقوم على استغلال الفراغات الأمنية وإعادة إنتاجها لصالحه، تمهيدًا لتحويلها إلى مناطق نفوذ ممتدة، يصعب تفكيكها دون تدخل شامل. في المقابل، تحركت الدولة المصرية على أكثر من مسار، بين المواجهة الأمنية الحاسمة، ودفع جهود التنمية، ما أسهم في استعادة السيطرة، وتفكيك البؤر التي سعت تلك الجماعات إلى تثبيتها، وقطع الطريق على أي محاولة لفرض واقع مغاير.



