تحول الدور الأوروبي في حرب أوكرانيا من الدعم الخفي إلى الانخراط الصناعي المباشر
تحول الدور الأوروبي في أوكرانيا إلى انخراط صناعي

تشهد الساحة الأوروبية تحولات متسارعة تعكس تغيرًا تدريجيًّا في طبيعة التفاعل مع الحرب الدائرة في أوكرانيا، في ظل تزايد الاعتماد على الطائرات المسيَّرة بوصفها أحد أبرز أدوات الحسم العسكري في النزاعات الحديثة.

أوروبا توسع القاعدة الصناعية للدعم العسكري إلى أوكرانيا

ومع اتساع نطاق استخدام المسيرات، برز توجه نحو تعزيز قدرات الإنتاج والتطوير داخل عدد من الدول الأوروبية، سواء عبر مشاريع محلية أم شراكات صناعية مرتبطة بسلاسل التوريد العسكرية.

وكشفت تقارير سابقة عن قرارات مجموعة من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد الطائرات المسيرة لدعم أوكرانيا، مشيرة إلى اجتماع عقد في مارس الماضي، لتعزيز هذا الدعم لشن ضربات هجومية، وسط تصعيد غير مسبوق في المنطقة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود منظومة إنتاج متعددة المستويات تشمل تصنيع الطائرات المسيَّرة نفسها، إلى جانب تطوير مكوناتها الحيوية مثل المحركات، وأنظمة الملاحة، وتقنيات الاتصال. وتمتد هذه المنظومة عبر عدة دول أوروبية وصولًا إلى أوكرانيا.

هذا التوسع لا يقتصر على البعد التقني، بل يحمل دلالات خطيرة، إذ يعكس انتقالًا من أنماط الدعم التقليدي، كالتدريب أو التمويل، إلى مستوى أعمق من الانخراط في الحرب عبر البنية الصناعية، ويثير ذلك تساؤلات حول طبيعة هذا الدور، وحدود التمييز بين الدعم غير المباشر والمشاركة غير المباشرة في النزاع.

الدفاع الروسية تحذر قيادات أوروبية من دعم أوكرانيا بالمسيرات

وحذرت وزارة الدفاع الروسية، في بيان رسمي، قيادات عدد من الدول الأوروبية من مغبة التوجه نحو التصعيد، وذلك عقب قرارهم زيادة إنتاج وتوريد الطائرات المسيّرة لنظام كييف بهدف مهاجمة الأراضي الروسية.

وجاء في نص بيان وزارة الدفاع الروسية: "استنادًا إلى المعلومات المتوفرة، أنه في 26 مارس 2026، وعلى خلفية تزايد الخسائر وتفاقم نقص الأفراد في القوات المسلحة الأوكرانية، اتخذت قيادات عدد من الدول الأوروبية قرارًا بزيادة إنتاج وتوريد الطائرات بدون طيار "المسيّرات" إلى أوكرانيا لشن ضربات على الأراضي الروسية".

وأكدت الدفاع الروسية، أنه "تم التخطيط لزيادة كبيرة في إنتاج المسيرات لنظام كييف من خلال توسيع تمويل المشاريع الأوكرانية والمشتركة الموجودة على أراضي الدول الأوروبية لإنتاج الطائرات المسيرة الهجومية ومكوناتها".

واعتبرت الوزارة الروسية، أن هذا القرار يشكل خطوة متعمدة تؤدي إلى تصعيد حاد في الأوضاع العسكرية والسياسية في جميع أنحاء القارة الأوروبية، وتحويل هذه الدول تدريجيًا إلى ساحة خلفية استراتيجية لأوكرانيا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

جدل قانوني حول طبيعة الأهداف

في موازاة هذه التطورات، يتصاعد نقاش قانوني يتجاوز الطابع النظري ليطرح إشكاليات مباشرة حول حدود التورط غير المباشر في النزاعات المسلحة، خصوصًا فيما يتعلق بالمنشآت الصناعية المرتبطة بالإنتاج العسكري خارج مناطق العمليات، فمع تزايد اندماج سلاسل الإنتاج والتوريد بين عدد من الدول الأوروبية وأوكرانيا، لم يعد من السهل التمييز بين الدعم اللوجستي التقليدي وبين المشاركة الفعلية في البنية المادية للحرب، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذا التوجه مع مبادئ القانون الدولي الإنساني التي تهدف أصلًا إلى الحد من اتساع نطاق الصراعات.

وفي هذا الإطار، تشير التحذيرات الروسية إلى أن استمرار بعض الدول الأوروبية في توسيع إنتاج وتوريد المكونات المرتبطة بالطائرات المسيّرة، بما في ذلك عبر منشآت داخل أراضيها، يساهم عمليًا في تحويل هذه الدول من داعم سياسي أو عسكري غير مباشر إلى جزء من البنية التشغيلية للحرب.

طبيعة التحول، وفق هذا المنظور، لا يعزز منطق الردع أو الاستقرار، بل يكرّس حالة من التداخل الخطير بين الجبهات الصناعية والجبهات القتالية، ويجعل البنية الاقتصادية الأوروبية جزءًا من معادلة الصراع.

ويكمن جوهر الإشكال في أن هذا المسار الأوروبي يوسع مفهوم "الدعم" إلى درجة تذيب الحدود بين المشاركة غير المباشرة والانخراط الفعلي، ما يفتح الباب أمام تداعيات استراتيجية غير محسوبة، سواء على مستوى الأمن الأوروبي ذاته أو على مستوى قابلية ضبط التصعيد في المدى الطويل.

احتمالات اتساع رقعة الصراع داخل أوروبا

ومع تزايد الترابط بين خطوط الإنتاج وساحات المواجهة، تتعاظم المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى عمق القارة الأوروبية، فإمكانية استهداف منشآت صناعية تمد ساحة القتال بشكل مباشر، قد تمثل تحولًا نوعيًا في مسار الصراع، وتفتح الباب أمام أنماط جديدة من التصعيد.

ولا تقتصر هذه المخاطر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا أمنية واقتصادية، خصوصًا في ظل الطبيعة المزدوجة للعديد من الصناعات، التي قد تخدم أغراضًا مدنية وعسكرية في الوقت ذاته. وهو ما يزيد من تعقيد أي سيناريو محتمل، خصوصًا وأن روسيا قد تلجأ إلى خيار ضرب هذه المصانع بشكل مباشر. هذا التهديد ليس نظريًّا، بل يأتي في سياق عقيدة عسكرية روسية واضحة، تنص على أن أي منشأة تُستخدم لإنتاج أسلحة تُطلق على الأراضي الروسية تفقد حصانتها وتغدو هدفًا مشروعًا.

الدفاع الروسية تعلن عناوين وأماكن المشاريع العسكرية الأوكرانية

وشددت وزارة الدفاع الروسية على أنه ينبغي على الرأي العام الأوروبي ليس فقط أن يفهم بوضوح الأسباب الحقيقية للتهديدات التي تهدد أمنهم، بل يجب عليه أيضًا أن يعرف عناوين وأماكن تواجد المشاريع العسكرية "الأوكرانية" و"المشتركة" لإنتاج المسيّرات ومكوناتها على أراضي دولهم، وبناء عليه نشرت الدفاع الروسية أسماء وعناوين تلك الشركات وفق التالي:

شركات إنتاج المسيرات:

  • في بريطانيا: ميلدن هول، 2 ويست رو رود تنتج FP-1, FP-2 / شركة "هورايزون تك" لندن، 17 كينغ إدوارد ستريت / ليستر، ميريديان نورث بلوك 5 (تنتج "ستيكر").
  • في ألمانيا: شركة "دا فينشي أفيا" ميونخ، 10 فيلاشكو شتراسه (تنتج "دا فينشي") شركة "إير لوجيكس" ميونخ، 28 ليرشناور شتراسه (تنتج "أنوبيس").
  • في الدنمارك: شركة "كورت" ستيفرينغ، 6 أوستري ألي تنتج "هاكي" AK-1000.
  • في هولندا: شركة "ديستينوس" هينجيلو، 71 هاكسبرغ سترات / هينجيلو، 60 أوبال سترات (تنتج "روتا").
  • في بولندا: مؤسسة "أنتونوف" الحكومية مييلتش، 3 فويسكا بولسكييغو (تنتج أن-196 "ليوتي") / شركة "أوكرسبتسي سيستيمز" تارنوف، 30 يانا كوخانوفسكييغو (تنتج RAM-2X).
  • في التشيك: شركة "ديفيرو" براج، 1702/65 نا سترشي (تنتج "بولافا").
  • في لاتفيا: شركة "ترمينال أوتونومي" ريغا، 462 لاتغاليس إيلا تنتج AQ-400 "كوسا".
  • في ليتوانيا: شركة "كورت" فيلنيوس، 21أ داريوس إير غيرينو (تنتج "هاكي" AK-1000).

شركات إنتاج المكونات:

  • ألمانيا: شركة "3W بروفيشنال" في هاناو، 33 ليزي-مايتنر-شتراسه (محركات مكبسية بقوة 30 حصانًا).
  • إسبانيا: شركة "نافيغيشن يو إيه في" في مدريد، سان سيباستيان دي لوس رييس، 3 تيدي، مكتب 0.1 (أجهزة استقبال إشارات الراديو الملاحية الفضائية).
  • إيطاليا: شركات "ك إم دي أفّيو" في فينيسيا، و"إم في فلاي" في جاربانياتي ميلانيزي، و"إي با باور" في بيدمونت وأومينيا، و"جيلاردوني" في مانديلو ديل لاريو (محركات مكبسية بقوة 60-170 حصانًا).
  • التشيك: شركة "بي بي إس" في براغ، 583/9 كراكوفسكا / فيلكا بيتيش، 279 فلكوفسكا (محركات نفاثة صغيرة الحجم).
  • إسرائيل: شركة "إلسيت" في حيفا، ص.ب. 539 / أور يهودا، 3 شارع أرييل شارون (وحدات اتصال بشبكات الهاتف الخلوي).
  • تركيا: شركة "توالكوم" في أنقرة، بوليفارد إحسان دوغراماجي، ODTÜ، منطقة SATGEB رقم 160 / منطقة كهرمان كازان، مربع HAB OSB، شارع G3أ سوكاك، 3 (أجهزة استقبال إشارات الراديو الملاحية الفضائية)، وشركة "دو أكسا" في يالوفا، 3 أكاسيا سوكاك (ألياف الكربون لهيكل الطائرة).

إعادة تعريف ساحة المعركة وتداعياته على أوروبا

في ظل هذا التصعيد المتسارع، تبرز تساؤلات جوهرية حول النهج الذي تتبعه بعض الحكومات الأوروبية، والتي يبدو أنها تنخرط تدريجيًا في مسار عسكري متصاعد بدل الدفع نحو حلول دبلوماسية متوازنة، إن توسيع الدعم ليشمل البنية الصناعية المرتبطة بالحرب لا يساهم فقط في إطالة أمد النزاع، بل يرفع أيضًا من احتمالات انتقال تداعياته إلى داخل القارة الأوروبية نفسها.

ويرى مراقبون للصراع، أن هذا التوجه لن يعزز الأمن والاستقرار، وقد يضع أوروبا أمام مخاطر استراتيجية غير محسوبة، ويحوّلها من وسيط محتمل إلى طرف في صراع مفتوح. وفي ظل غياب مبادرات سياسية فاعلة تسعى لاحتواء الأزمة، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه السياسات تخدم فعلًا مصالح الشعوب الأوروبية، أم تدفع بها نحو مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تتراجع فرص الحلول السلمية لصالح منطق التصعيد والمواجهة.