مالي ساحة صراع بين القاعدة وروسيا وفرنسا.. هجمات الجماعة تهدد المجلس العسكري
مالي ساحة صراع بين القاعدة وروسيا وفرنسا

في مشهد يعكس تعقيد الصراع في منطقة الساحل الأفريقي، تتصاعد هجمات جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم القاعدة، ضد المجلس العسكري الحاكم في مالي، مما ينذر بمرحلة جديدة من العنف قد تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة. فبينما يرفرف علم مالي بألوانه الخضراء والصفراء والحمراء، معبراً عن شعب يؤمن بالدفاع عن أرضه، تواجه البلاد تحديات أمنية هائلة، حيث يفرض تنظيم القاعدة نفوذه على المناطق الريفية وطرقها الحيوية، وتحولت خريطتها إلى ساحة صراع خفي بين روسيا الداعمة للمجلس العسكري، وفرنسا الساعية لاستعادة نفوذها الاستعماري القديم، ودول جوار تتحرك لحماية مصالحها، خصوصاً فيما يتعلق بثروات الذهب.

تصعيد خطير من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

خلال الأيام القليلة الماضية، صعّدت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" هجماتها بشكل ملحوظ، في مؤشر على انتقالها إلى مرحلة أكثر تصعيداً في حربها ضد الحكومة المركزية. ووفقاً لتقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي، شن المتمردون الإسلاميون هجوماً واسع النطاق ضد المجلس العسكري الحاكم خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث سيطروا على مدينة كيدال الاستراتيجية في الشمال، وألحقوا خسائر كبيرة بالقوات الحكومية في مناطق أخرى، وهاجموا مقر القيادة العسكرية للمجلس في كاتي، وهي بلدة محصنة تقع خارج العاصمة باماكو، واقتحموا الموقع ودارت اشتباكات مسلحة انتهت بمقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

ويشير التقرير إلى أن وقوع مثل هذا الهجوم كان مسألة وقت لا أكثر، فخارج العاصمة باماكو، يسيطر المسلحون فعلياً على الطرق التي تربطها ببقية مناطق مالي. وبدلاً من اللجوء إلى القوة لعزل العاصمة بشكل كامل، اختارت الجماعة فرض حصار غير مباشر، من خلال مطالبة سائقي الشاحنات بدفع مبالغ مالية مقابل السماح لهم بالعمل، إلى جانب مصادرة الشحنات ذات الأهمية الاستراتيجية مثل الوقود، في مؤشر على صعود متسارع للجماعة مقابل تراجع تدريجي في قدرة المجلس العسكري على الصمود.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جذور الأزمة: من الربيع العربي إلى صعود القاعدة

تعود جذور الأزمة الحالية في مالي إلى أوائل عام 2011، عندما اندلعت الاحتجاجات في ليبيا ضد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، والتي تحولت إلى حرب أهلية. لجأ القذافي إلى تجنيد مرتزقة من أنحاء شمال أفريقيا لسحق المحتجين، وكان اعتماده الأكبر على الطوارق، وهم مجموعة عرقية بربرية بدوية يبلغ عددها نحو أربعة ملايين وتتركز في شمال مالي والنيجر. ويشكل الطوارق أغلبية محلية في مساحات شاسعة من الصحراء الكبرى قليلة السكان، ويتطلعون إلى إقامة دولة خاصة بهم.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ومع تحول الحرب الأهلية ضد القذافي، تخلى الطوارق عنه وعادوا إلى الساحل، حاملين معهم كميات هائلة من الأسلحة والمعدات العسكرية التي استولوا عليها من المخازن الليبية. وفي العام التالي، تمرد مقاتلو الطوارق العائدون في مالي، وتحالفوا مع جماعات جهادية محلية، وأقاموا كياناً مستقلاً في شمال البلاد.

التدخل الفرنسي وتحولات المشهد

بحلول عام 2013، كانت حركة التمرد، التي بات يقودها الإسلاميون بدلاً من الطوارق، قد سيطرت على معظم الشمال وبدأت تتقدم جنوباً. وأدى هذا التقدم إلى طلب الحكومة المركزية في باماكو دعماً خارجياً، فاستجابت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، بإطلاق عملية "سيرفال"، وهي حملة عسكرية دفعت المتمردين إلى الخلف وأعادت السيطرة للحكومة. وفي عام 2014، تحولت المهمة إلى عملية "برخان"، وهي بعثة طويلة الأمد شملت دولاً أخرى في الساحل.

استمر هذا الوضع قائماً، بحيث تحتفظ الحكومات المدنية المدعومة من فرنسا بالمدن، بينما ينشط المتمردون في الأرياف، لنحو عقد من الزمان. لكن في أوائل عشرينيات القرن الحالي، تغيرت المعادلة بسبب ثلاثة تطورات: أولها سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث طردت قوى الحكم الجديدة القوات الفرنسية، وقطعت علاقاتها مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وأنشأت "تحالف دول الساحل". وفي عام 2022، استعانت هذه الأنظمة بمجموعة فاجنر الروسية، التي أعيدت تسميتها لاحقاً بـ"فيلق أفريقيا"، في مواجهة تزايد قوة جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التي تأسست عام 2017 من اندماج عدة تنظيمات، لتصبح أقوى جماعة.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: تنظيم القاعدة في الساحل

"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" هي فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل، وتأسست نتيجة اندماج فصائل "جهادية" متمركزة في مالي، من بينها "حركة أنصار الدين" التي أسسها زعيم الجماعة الحالي إياد حاج غالي، و"كتيبة تحرير ماسينا" التي قامت على أكتاف الآلاف من "المقاتلين الفلانيين" نسبة إلى قومية الفولاني المنتشرة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل. وتتبنى الجماعة نهجاً يجمع بين العمل المسلح ومظاهر الحكم المحلي من خلال إنشاء محاكم شرعية وفرض الجبايات والرسوم على الطرق، مما يتيح لها ترسيخ وجودها في المناطق الريفية التي تفتقر إلى حضور الدولة، وتصنفها الحكومات الغربية تنظيماً إرهابياً.

وبحسب موقع منظمة الأمم المتحدة الإلكتروني، فقد أدرج إياد حاج غالي بقائمة الإرهاب في 25 فبراير 2013، بوصفه مرتبطاً بتنظيم القاعدة بسبب المشاركة في تمويل أعمال أو أنشطة يقوم بها ما يعرف بـ"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، أو التخطيط لهذه الأعمال أو الأنشطة أو تيسير القيام بها أو الإعداد لها أو ارتكابها، أو المشاركة في ذلك معهما أو باسمهما أو بالنيابة عنهما أو دعماً لهما. ويتولى غالي مسؤولية توريد الأسلحة وما يتصل بها من معدات لهذين التنظيمين أو بيعها لهما أو نقلها إليهما، وبسبب التجنيد لحسابهما، أو تقديم أي أشكال أخرى من الدعم للأعمال أو الأنشطة التي يقومان بها.

موريتانيا والسنغال وغينيا: خطر يهدد الجوار ومناجم الذهب

أدى تدهور الوضع الأمني في مالي أيضاً إلى جعل الجماعات المسلحة أقرب إلى المناطق الحدودية التي يسهل اختراقها مع موريتانيا والسنغال وغينيا، وكذلك إلى موارد التعدين الاستراتيجية التي تمتد على جانبي هذه الحدود. ويمكن أن تصبح هذه الموارد مصدراً رئيسياً لتمويل الجماعات المسلحة من غير الدول وربما تسهل تسللها التدريجي إلى البلدان المجاورة.

وارتفع النزوح القسري من مالي إلى موريتانيا بشكل حاد خلال هذه الفترة نتيجة لتدهور الوضع الأمني، حيث بلغ عدد النازحين 318 ألف بنهاية العام الحالي 2025؛ كما جرى الإبلاغ عن حالات نزوح محدودة النطاق عبر الحدود للماليين إلى السنغال. وعلى الرغم من أن استقرار الأوضاع الأمنية في السنغال بصورة نسبية، إلا أن الهجمات التي شنتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" على مواقع عسكرية مالية في الأول من يوليو 2025، قرب بلدة ديبولي التي تبعد عن الحدود السنغالية بحوالي 1.3 كيلومتر، أكدت أن الخطر ليس بعيداً بالنسبة لدكار؛ إضافة إلى احتمالات تعرض مناطق التنقيب عن الذهب في شرق السنغال إلى أنشطة تهريب تمارسها الجماعة.

والأمر نفسه بالنسبة لمناطق التعدين في شمال غينيا، والتي تعد أغنى مناطق الغرب الأفريقي امتلاكاً لمناجم الذهب، حيث يشكل التعدين أكثر من 90% من صادراتها. ومع استمرار تصاعد العنف في مالي، تظل أعين الجماعات المسلحة على هذه الثروات، مما يهدد استقرار المنطقة بأسرها.