في مثل هذا اليوم من عام 1936، أصدرت السلطات الاستعمارية الفرنسية قرارًا لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان زلزالًا ثقافيًا؛ حيث نص القرار الذي صاغه الحاكم العام بورت، على اعتبار اللغة العربية «لغة أجنبية» في الجزائر. وهذا الحدث لم يأتِ من فراغ، بل كان تتويجًا لسياسة الاستيعاب التي انتهجتها فرنسا منذ وطأت أقدام جنودها شواطئ سيدي فرج عام 1830.
لماذا احتلت فرنسا الجزائر؟
بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر رسميًا عام 1830 تحت ذريعة حادثة المروحة الشهيرة بين الداي حسين حاكم الجزائر والقنصل الفرنسي دوفال والتي وقعت في 29 أبريل 1827، حيث احتدم النقاش خلال استقبال رسمي بمناسبة عيد الفطر، بين الداي حسين والقنصل بسبب ديون فرنسا المتأخرة للجزائر. ورد القنصل الفرنسي بصلف واستهانة بمطالب الداي، فقام الأخير بضربه بطرف مروحته اليدوية (من ريش النعام) وطرده من مجلسه، وهنا اعتبرتها فرنسا إهانة دبلوماسية تستوجب الحصار البحري ثم الغزو الشامل عام 1830.
لكن الدراسات التاريخية الرصينة، ومنها ما أورده المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي، تشير إلى أن الدوافع الحقيقية كانت استراتيجية واقتصادية؛ إذ سعت فرنسا تحت حكم الملك شارل العاشر للهروب من أزماتها الداخلية، والسيطرة على ثروات الجزائر، وتوسيع نفوذها في حوض المتوسط لتنافس الإمبراطورية البريطانية.
بصمات الاحتلال الفرنسي على الجزائر
لم تكتفِ فرنسا بالاحتلال العسكري، بل سعت إلى تفكيك البنية الاجتماعية والتعليمية للجزائريين. وبحسب دراسة المؤرخ شارل أندري جوليان في كتابه تاريخ شمال أفريقيا، أدركت فرنسا أن الركيزة الأساسية للمقاومة ضدها هي الإسلام واللغة العربية.
سارع الاحتلال الفرنسي إلى تحويل المساجد إلى مخازن مع إضعاف الزوايا والكتاتيب التي كانت تدرس القرآن والعربية، وإحلال اللغة الفرنسية كلغة للإدارة والتعليم والتجارة، لربط النخبة الجزائرية بالثقافة الفرنسية.
وفي عام 1936 أصدرت السلطات الفرنسية قرارًا بإعلان اللغة العربية لغة أجنبية في البلاد، لمحاصرة الجمعيات الإصلاحية، حيث أرادت فرنسا التضييق على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة عبد الحميد بن باديس، والتي كانت ترفع شعار العربية لغتنا. وبموجب هذا القرار، أصبح تعليم العربية يتطلب تراخيص معقدة تشبه تراخيص تعليم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية، مما أدى إلى إغلاق الكثير من المدارس.
وحسب المصادر التاريخية، كانت تداعيات هذا القرار كارثية؛ حيث أدى إلى انتشار الأمية المزدوجة (عدم إتقان العربية ولا الفرنسية) لدى شرائح واسعة، مما حرم الأجيال الصاعدة من هويتها اللغوية، وخلق فجوة ثقافية بين الريف والمدن.
ورغم استقلال الجزائر عام 1962 وإعلان العربية لغة وطنية ورسمية، إلا أن إرث السياسة الفرنسية ظل حاضرًا، حيث تركت فترة الـ 132 عامًا من الاحتلال واقعًا فرانكفونيًا قويًا في الإدارة والتعليم العالي والعلوم التقنية.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الجزائر خاضت معارك التعريب لعقود لمحو آثار قرار 1936، ولكن التحدي ظل قائمًا في كيفية التوفيق بين لغة الهوية العربية ولغة الإدارة الموروثة الفرنسية، وهو ما يظهر جليًا في الازدواجية اللغوية لدى المجتمع الجزائري حتى اليوم.



