في إطار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وفرنسا، وتوسيع آفاق التعاون المشترك في المجالات الثقافية والسياحية والعلمية، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي جولة تفقدية بمدينة الإسكندرية برفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وعدد من رؤساء الوفود المشاركة في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور. وقد عكست الجولة اهتمام الجانبين بدعم العلاقات الثنائية وتبادل الخبرات الحضارية والثقافية، خاصة في ظل ما تمثله مدينة الإسكندرية من قيمة تاريخية وإنسانية باعتبارها منارة للعلم والفنون وملتقى للحضارات على مدار العصور.
زخم متزايد في العلاقات الاقتصادية
تشهد العلاقات الاقتصادية بين مصر وفرنسا زخماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي التعاون المشترك في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل، مما عزز مكانة فرنسا كواحدة من أبرز الشركاء الاقتصاديين والاستراتيجيين لمصر داخل القارة الأوروبية والأفريقية. ووفقاً لأحدث البيانات الاقتصادية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.9 مليار دولار، مع نمو ملحوظ في حركة الصادرات والواردات.
أبرز الصادرات المصرية إلى فرنسا
شهدت الصادرات المصرية إلى السوق الفرنسية نمواً لافتاً، خاصة في قطاعات الأسمدة والغاز الطبيعي المسال والمنسوجات والملابس الجاهزة، إلى جانب المنتجات الزراعية مثل الخضروات والفاكهة. وفي المقابل، تركزت الواردات المصرية من فرنسا في القمح، حيث تعد فرنسا من أبرز موردي القمح لمصر، بالإضافة إلى الآلات والمعدات الثقيلة والمنتجات الدوائية ومستلزمات النقل والطيران.
فرنسا ثالث أكبر مستثمر أوروبي في مصر
تصنف فرنسا كثالث أكبر مستثمر أوروبي في مصر، حيث تنتشر استثماراتها في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها الطاقة والاتصالات والبنية التحتية والخدمات المالية والصناعات الغذائية. وتعمل في السوق المصرية حالياً أكثر من 180 شركة فرنسية كبرى من خلال فروعها وشراكاتها المحلية، بإجمالي استثمارات مباشرة تقدر بنحو 7 مليارات يورو. ولا تقتصر مساهمة هذه الشركات على ضخ الاستثمارات فقط، بل تلعب دوراً مهماً في دعم سوق العمل، إذ توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة، إلى جانب دعم مئات الآلاف من فرص العمل غير المباشرة في قطاعات التوريد والخدمات والنقل.
تعاون في مشروعات البنية التحتية
تشارك فرنسا بقوة في عدد من المشروعات القومية الكبرى في مصر، خاصة في قطاع النقل والبنية التحتية، ومن أبرزها مشروعات مترو الأنفاق، بما في ذلك الخط الثالث والخط السادس لمترو القاهرة. كما يمتد التعاون إلى مشروعات المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف، إضافة إلى مشروعات الطاقة المتجددة، وعلى رأسها إنتاج الهيدروجين الأخضر وطاقة الرياح بمنطقة خليج السويس. وفي قطاع المرافق، تشارك شركات فرنسية متخصصة في تنفيذ مشروعات كبرى لتحلية ومعالجة المياه، ضمن جهود الدولة المصرية للتوسع في مشروعات الأمن المائي وتحسين البنية التحتية للخدمات.
خبير دولي: الزيارة تعزز الشراكة الاستراتيجية
أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر لافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور الدولية ببرج العرب تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة تتجاوز البعد الثقافي والتعليمي. وأشار إلى أن القمة المصرية الفرنسية على هامش الزيارة تعكس مكانة مصر المحورية كشريك أساسي لفرنسا في المنطقة.
وأوضح مهران أن افتتاح الحرم الجامعي الجديد لجامعة سنجور، التي تخرج منها آلاف الطلاب من عشرات الدول الأفريقية والآسيوية منذ تأسيسها عام 1990، يجسد التزام مصر بدعم التنمية الأفريقية ونشر اللغة الفرنسية في القارة، مشيراً إلى أن الجامعة تعمل تحت مظلة المنظمة الدولية للفرنكوفونية التي تضم 88 دولة وحكومة.
وذكر أن القمة الثنائية بين الرئيسين السيسي وماكرون تأتي في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد التوترات الإقليمية في مضيق هرمز وتعثر وقف إطلاق النار في غزة، موضحاً أن مصر وفرنسا تتشاركان رؤية مشتركة تقوم على احترام القانون الدولي والحلول الدبلوماسية للأزمات. وأكد أن زيارة ماكرون السابقة لمصر في أبريل 2025 أثمرت عن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين، مما يعكس قدرة الدبلوماسية المصرية على التأثير في المواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية.
وأشار مهران إلى أن جولة ماكرون في معالم الإسكندرية، بما فيها مكتبة الإسكندرية وقلعة قايتباي، تحمل رمزية ثقافية عميقة، موضحاً أن الإسكندرية كانت عبر التاريخ ملتقى للحضارات ورمزاً للتعددية الثقافية. وأكد أن العلاقات المصرية الفرنسية تمثل نموذجاً للشراكة الاستراتيجية الناجحة القائمة على المصالح المشتركة والتعاون الثقافي والأمني والاقتصادي، مشيراً إلى أن التنسيق بين البلدين في الملفات الإقليمية، خاصة الأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية، يعزز فرص الحلول السلمية.
وأكد مهران أن استضافة مصر لجامعة سنجور منذ أكثر من ثلاثين عاماً يعكس التزامها طويل الأمد بدعم التنمية الأفريقية وتعزيز الحوار بين الثقافات، مؤكداً أن زيارة ماكرون تؤكد مجدداً الثقة الدولية في الدور المصري كقوة إقليمية فاعلة وجسر بين أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.



