وثائق تركية رسمية تكشف تفاصيل مصادرة ممتلكات الأرمن وإعادة بيعها في مزادات علنية
وثائق تركية تكشف تفاصيل مصادرة ممتلكات الأرمن

بعد قرن من الإنكار، دخل ملف الإبادة الجماعية للأرمن مرحلة جديدة من التوثيق الجنائي والتاريخي، عقب الكشف لأول مرة عن وثائق أصلية وإعلانات منشورة داخل الأرشيفات والصحف الرسمية التركية، توثق عمليات مصادرة ممتلكات الأرمن وإعادة بيعها عبر مزادات علنية خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

اللافت في هذا التطور الجديد أنه لا يكتفي بإعادة قراءة وقائع التهجير والقتل، بل يفتح الباب أمام تفكيك البنية الاقتصادية التي رافقت الإبادة، ويطرح أسئلة أوسع حول كيفية إعادة تشكيل الثروة والملكية في بدايات الجمهورية التركية الحديثة.

تداعيات مصادرة ممتلكات الأرمن

يعتبر المؤرخ وعالم الاجتماع التركي تانر أكشام أن الوثائق المكتشفة تنقل الملف من مستوى السرديات التاريخية المتنازع عليها إلى مستوى الأدلة المادية المباشرة. ويرى أكشام أن ما جرى لم يكن مجرد أعمال نهب عشوائية صاحبت الحرب، بل سياسة اقتصادية ممنهجة ارتبطت بإعادة توزيع الثروة على أنقاض المجتمعات الأرمنية المهجرة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ويؤكد أكشام أن النهب الاقتصادي تحول إلى عنصر تأسيسي في بناء الجمهورية الجديدة، حيث لعبت مصادرة الممتلكات دورًا محوريًا في تكوين شبكات الملكية ورأس المال داخل الدولة الناشئة. ويذهب الباحث التركي إلى أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في كشف الوثائق، وإنما في طبيعة مصدرها؛ إذ إن الإعلانات الخاصة ببيع المنازل والأراضي والمتاجر والمصانع نشرت رسميًا في الصحف التركية خلال تلك الفترة، بما يجعلها أدلة صادرة من داخل مؤسسات الدولة والمجال العام التركي نفسه، لا من أرشيفات خارجية أو شهادات متنازع عليها.

ووفقًا لقراءته، فإن هذه الوثائق تتيح للمؤرخين والقانونيين إعادة تتبع حركة انتقال الثروة بعد التهجير الجماعي، وفهم الكيفية التي أعيد بها تشكيل الاقتصاد المحلي في عشرات المدن عقب اختفاء المجتمعات الأرمنية منها.

جذور الأزمة الأرمينية في تركيا

تعود جذور الإبادة الأرمنية إلى السنوات الأخيرة من حكم الدولة العثمانية، حين تصاعد التوتر بين السلطات العثمانية وبعض التنظيمات الأرمنية في ظل أجواء الحرب العالمية الأولى والانهيار التدريجي للإمبراطورية. وفي 24 أبريل 1915 بدأت حملة اعتقالات واسعة استهدفت النخب الأرمنية من سياسيين ومثقفين ورجال دين في إسطنبول، وهو التاريخ الذي ينظر إليه كبداية رسمية لمسار الإبادة الجماعية التي امتدت لاحقًا إلى مناطق واسعة من الأناضول.

خلال الشهور التالية، نفذت السلطات العثمانية عمليات ترحيل جماعي للأرمن من مناطقهم التاريخية نحو الصحارى الواقعة في سوريا والعراق آنذاك، وسط ظروف قاسية تسببت في مقتل أعداد ضخمة بسبب الجوع والأوبئة والقتل المباشر. وتشير تقديرات تاريخية وحقوقية إلى مقتل ما يقرب من مليون إلى مليون ونصف أرمني خلال تلك المرحلة، بينما فقدت مجتمعات كاملة وجودها الديموغرافي والثقافي في شرق الأناضول.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

على مدار عقود، ظل توصيف ما جرى نقطة اشتباك سياسي ودبلوماسي حاد بين تركيا وعدد كبير من الدول والمنظمات الدولية. فبينما اعترفت برلمانات ودول غربية عديدة بالإبادة الأرمنية كجريمة إبادة جماعية، ترفض أنقرة هذا التوصيف الرسمي، وتؤكد أن الأحداث وقعت في سياق حرب أهلية واضطرابات صاحبت الحرب العالمية الأولى، مع التشكيك في الأرقام والروايات المتعلقة بحجم الضحايا والسياسات الممنهجة.

ظلت قضية الممتلكات المصادرة واحدة من أعقد الملفات المرتبطة بالإبادة، بسبب تشابكها مع بنية الملكية والاقتصاد داخل الجمهورية التركية الحديثة. فبعد تهجير الأرمن، انتقلت مساحات واسعة من الأراضي والمنازل والمتاجر والمصانع إلى الدولة أو إلى ملاك جدد عبر قوانين وإجراءات استثنائية، ما خلق لاحقًا جدلًا واسعًا حول الشرعية القانونية والتاريخية لهذه التحولات الاقتصادية، خاصة مع تزايد المطالبات الحقوقية المتعلقة بالتعويضات واستعادة الأصول التاريخية.

مشروع أرشيفي ضخم

في هذا السياق، أعلن أكشام استكمال مرحلة رئيسية من مشروع أرشيفي ضخم يهدف إلى إتاحة الوثائق المرتبطة ببيع ومزاد الممتلكات الأرمنية المصادرة بين عامي 1920 و1940، معربًا عن ارتياحه لإنجاز هذه المرحلة التي توثق مصادرة المنازل والأراضي والمتاجر والمصانع في عشرات المدن التركية.

تكشف تفاصيل المشروع الأرشيفي، المتاح باللغتين التركية والإنجليزية عبر برنامج أبحاث الإبادة الأرمنية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، عن جهد بحثي امتد لسنوات طويلة. فقد قاد الباحث صائب تشيتين أوغلو عمليات جمع الإعلانات الأصلية والمواد الصحفية من الصحف التاريخية، قبل أن تخضع لعمليات رقمنة وترجمة كاملة إلى الإنجليزية بجهود المترجم أتيلا تويغان وبدعم أكاديمي من الجامعة.

تكمن الأهمية الجوهرية للمشروع، بحسب باحثين ومتابعين، في أنه يتيح للمؤرخين والصحفيين والمنظمات الحقوقية الوصول المباشر إلى وثائق رسمية تثبت أن تجريد الأرمن من أصولهم الرأسمالية لم يكن نتيجة فراغ إداري خلفته الحرب، بل جزءًا من خطة مؤسساتية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي عبر نقل الملكية والثروة إلى فاعلين جدد داخل الدولة الناشئة.

خلفية المؤرخ تانر أكشام

يرتبط هذا التطور بالخلفية الأكاديمية والسياسية للمؤرخ تانر أكشام، المولود في ولاية أرداهان التركية عام 1953، والذي بدأ نشاطه السياسي مبكرًا كرئيس تحرير لمجلة طلابية انتهى بسببها إلى الاعتقال عام 1976 والحكم عليه بالسجن عشر سنوات، قبل أن تتبناه منظمة العفو الدولية كسجين رأي ويتمكن لاحقًا من الفرار إلى ألمانيا والحصول على اللجوء السياسي عام 1977.

بدأ أكشام مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الشرق الأوسط التقنية عام 1975، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة هانوفر عام 1996 بأطروحته المتعلقة بالحركة الوطنية التركية والإبادة الأرمنية والمحاكم العسكرية في إسطنبول بين عامي 1919 و1922.

تدرج الأكاديمي التركي لاحقًا في عدد من المؤسسات البحثية والجامعات الدولية؛ إذ عمل في معهد هامبورغ للأبحاث الاجتماعية منذ عام 1988 مركزًا على تاريخ العنف السياسي والتعذيب في أواخر الدولة العثمانية وبدايات الجمهورية التركية، كما شغل منصب أستاذ زائر للتاريخ في جامعة ميشيغان بين عامي 2000 و2002، ثم أستاذًا زائرًا مشاركًا في مركز دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة مينيسوتا، قبل انضمامه إلى قسم التاريخ في جامعة كلارك عام 2008.

يمنح هذا المسار الأكاديمي، وفق متابعين للملف، المشروع الأرشيفي الأخير ثقلًا بحثيًا وحقوقيًا يتجاوز حدود السجال السياسي التقليدي، خاصة مع اعتماده على وثائق رسمية تركية المنشأ، وهو ما قد يعيد فتح النقاش الدولي حول البنية الاقتصادية للإبادة الأرمنية، ليس فقط بوصفها جريمة ضد جماعة بشرية، بل باعتبارها أيضًا عملية إعادة تشكيل واسعة للملكية والثروة والاقتصاد في مرحلة تأسيسية من تاريخ الجمهورية التركية الحديثة.