يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توقيع اتفاق هدنة لمدة 60 يوماً مع إيران، تحت ضغط معادلات ردع مركبة صاغتها طهران خلال حرب الأربعين يوماً وعبر معركة المفاوضات الشاقة. هذا التطور يفرض على باقي دول الإقليم ابتكار معادلات ردع مماثلة لكبح جماح المشروع الصهيوني ضد دول المنطقة.
حقائق أبرزتها تداعيات العدوان
أبرزت تداعيات العدوان الصهيوأمريكي على إيران خلال الشهرين الماضيين عدة حقائق، أهمها أن الصمود والعزم على توظيف كافة القدرات العسكرية والسياسية المتاحة في مواجهة أكبر إمبراطورية عسكرية، أجبرت الأخيرة على التعامل بندية مع خصم اعتقدت أنه ضعيف. فرغم الترسانة العسكرية الأمريكية الضخمة التي حشدت إلى جانب الترسانة الصهيونية، إلا أن العزم الإيراني كبدها خسائر فادحة، أقلها خسارة واشنطن نصف ذخائرها الصاروخية وعجزها عن تحقيق أهدافها العسكرية بدءاً من إسقاط النظام وصولاً إلى تدمير البرنامجين الصاروخي والنووي.
الموقف العسكري والسياسي
أمام هذا الوضع العسكري المعقد والخسارة السياسية الاستراتيجية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، رفضت طهران الرضوخ لسياسة إملاء الشروط على مائدة المفاوضات المباشرة، وعبرت عن موقفها عبر آلية المباحثات غير المباشرة عن طريق الوسيط الباكستاني. أدركت أمريكا أن استمرار قصف إيران يعني المزيد من استنزاف قدراتها العسكرية التقليدية دون تحقيق أي هدف، وراحت تهدد بالإبادة والمحو من التاريخ ظناً منها أن هذا قد يفت في عضد العزيمة الإيرانية.
طهران ردت، وبينما تواصل مسارها الدبلوماسي، بإظهار ما لديها من أوراق عسكرية واستراتيجية رادعة، بدأت بهرمز ولم تنته عند مضيق باب المندب والتهديد بقطع كابلات الإنترنت التي تمر في أعماق الخليج العربي، لتؤكد أنها قادرة على تدمير عصب الاقتصاد العالمي لعقود طويلة.
التهديد النووي والرد الروسي
واشنطن، التي لا تلتزم بأي معايير أخلاقية أو قانونية، لوحت بالخيار النووي عبر الإعلان عن نشر غواصة نووية في البحر المتوسط، وهو ما كشف إفلاسها وخلو جعبتها من أي بدائل سياسية أو عسكرية أخرى. هذا التلويح ووجه برد روسي حاسم عبر مناورات نووية أجريت بالاشتراك مع بيلاروسيا على حدود أوروبا، ليعود الثور الأمريكي الهائج إلى هدوئه النسبي.
محاور الاتفاق المرتقب
ما أرادته إيران يتحقق عبر الاتفاق المزمع توقيعه، والذي يشمل البدء بوقف إطلاق النار ليشمل جميع الجبهات، وفي القلب منها لبنان، وفتح مضيق هرمز تدريجياً، وإنهاء الحصار على الموانئ الإيرانية، ورفع العقوبات عن تصدير النفط الإيراني، وفك الحظر عن جزء من أموال إيران، مع التأكيد على عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي. على أن يؤجل بحث مدة تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون المخصب بنسبة 60% وإرساله إلى دولة ثالثة لمرحلة لاحقة تثبت واشنطن قبلها أنها أصبحت جديرة بثقة طهران.
دور دول الإقليم
صحيح أن دول الخليج العربي مجتمعة، إضافة إلى مصر وتركيا وباكستان، قد ساهموا جميعاً في التوصل إلى هذا الاتفاق المبدئي، الذي لم يصل إلى صيغته النهائية حتى الآن، كون هذه الدول كلها حريصة على عدم استئناف العدوان وفرض الاستقرار في المنطقة. إلا أن هذه الدول باتت معنية بإعادة صياغة رؤيتها لمعادلات الردع والتوازن في الشرق الأوسط لمواجهة المشروع الصهيوني.
كل الأطراف في الشرق الأوسط وداخل الدوائر الاستخباراتية وصنع القرار الأمريكي تُجمع على أن هذا العدوان جاء بتحريض من جانب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. والكل يدرك منذ اللحظة الأولى أن الهدف من وراء هذا العدوان ليس فقط إسقاط إيران، وإنما إحداث خلل هيكلي في موازين القوى بما يسمح بتمدد نفوذ المشروع الصهيوني ليفرض الكيان إرادته على الجميع، ويمضي في أجندته بتقسيم بعض الدول مثل السودان والصومال واليمن، وتهديد الأمن القومي للقوى التقليدية الكبرى بدءاً من مصر والسعودية مروراً بتركيا وباكستان.
موقف نتنياهو وإصراره على التموضع
ومع إعلان الرئيس الأمريكي عن التقدم في المفاوضات، وأنها ستشمل وقف إطلاق النار في لبنان، أكد بنيامين نتنياهو احتفاظ جيش الاحتلال بمراكز تموضعه في غزة ولبنان وسوريا، بل وصادق رئيس أركان جيش الاحتلال يائيل زامير على خطة العمليات العسكرية في جنوب لبنان.
انتصار إيران الاستراتيجي
صمود إيران يجعلها تخرج من هذه الحرب منتصرة بالمعنى السياسي والاستراتيجي. وحتى لو أراد الكيان الصهيوني مهاجمتها مجدداً عبر ضربات متقطعة، عليه التفكير ألف مرة، فهناك ترسانة الصواريخ المرعبة التي أثبتت نجاعتها كسلاح ردع. بمقولة أخرى، إيران تخرج أكثر قوة في معادلات الوزن السياسي، وهو ما يتطلب مقاربة عربية جديدة تقوم على بناء المزيد من جسور الثقة والتعاون والتكامل مع الجارة التاريخية، والذي ينبغي أن يصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي لطرد النفوذ والوجود العسكري الأمريكي والاعتماد على مكونات الشرق الأوسط الأصيلة لحماية مقدراته وأمنه واستقراره.
الحاجة لتحالف إقليمي
هذه المقاربة ضرورية لتتقاطع مع تحالف مصري باكستاني تركي لمواجهة أطماع الكيان الصهيوني الذي اتفق الجميع على أنه سبب استمرار حالة عدم الاستقرار والفوضى، وأصبح واضحاً أنه مستعد لإشعال المنطقة وحرقها في سبيل تحقيق أوهامه الدينية.
تغيير الخطاب السياسي العربي
بعض المفاهيم وحتى المصطلحات، لا سيما في الخطاب السياسي العربي، باتت بحاجة إلى تغيير عند الحديث عن سلاح حركات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان إلى قطاع غزة. من الثابت دعم الكيان الصهيوني للتنظيمات والحركات الإرهابية، داعش وأخواتها، التي كانت تقاتل ضد الدولة السورية، ومن الثابت أيضاً أن الطائرات الأمريكية كانت تنزل شحنات الأسلحة إلى تنظيم داعش داخل العراق، علاوة على دعمه للعصابات الإجرامية داخل قطاع غزة، وكلهم أعضاء في تنظيم داعش وقاتلوا ضد الجيش المصري داخل سيناء، إضافة إلى دعم الكيان الصهيوني، عبر الوكلاء، لإرهاب عصابة الدعم السريع في السودان والانفصاليين في اليمن والصومال.
يتعين أن يتبنى الخطاب السياسي العربي مقاربة نزع السلاح من حركات المقاومة مقابل انسحاب الاحتلال من جميع الأراضي المحتلة في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. فعلى سبيل المثال، تخوض الحكومة اللبنانية مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني دون أوراق ضغط حقيقية سواء في مواجهة الاحتلال أو حزب الله، فلا هي تستطيع إجبار الحزب على التخلي عن سلاحه بينما الاعتداءات الصهيونية لا تتوقف منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ولا هي تملك آلية تجبر الاحتلال على الانسحاب.
لذلك يحتاج لبنان إلى مظلة إقليمية قوية تستثمر نجاح إيران في فرض شرط وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان، لتمارس ضغطاً حقيقياً وحاسماً على الإدارة الأمريكية، ليس فقط لوقف العدوان الصهيوني وإنما لإجبار جيش الاحتلال على الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، مع تقديم ضمانات عربية إيرانية بتحول حزب الله إلى حزب سياسي مدني، ودمج مقاتليه ضمن أطر الجيش اللبناني، وتمكين الأخير من بسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية. الأمر ذاته يمكن تحقيقه بالتوازي في غزة والضفة الغربية، وحتى سوريا، بشرط ابتكار معادلات ردع إقليمية أشمل تعمل على المدى البعيد.



