صناعة الاستقرار: القاهرة تلعب دوراً محورياً في تجنب التصعيد بالشرق الأوسط
القاهرة تلعب دوراً محورياً في تجنب التصعيد بالمنطقة

منذ عام 2011، دخلت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً خلال العقود الأخيرة، مع تصاعد موجات الحروب الأهلية وتوسع بؤر الصراع في عدد من الدول المحيطة بمصر، وهو ما انعكس مباشرة على معادلات الأمن الإقليمي وتوازنات القوى في المنطقة. ومع وصول الدولة المصرية إلى مرحلة 30 يونيو 2013، بدأت القاهرة في إعادة صياغة مقاربتها تجاه هذه البيئة المعقدة، واضعةً أولوية قصوى لحماية الأمن القومي ومنع الانزلاق إلى ساحات الصراع الإقليمي.

جدار أمني وسياسي يحمي الاستقرار

في هذا السياق، يؤكد خبراء العلوم السياسية أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في بناء "جدار أمني وسياسي" مكنها من امتصاص تداعيات الفوضى المحيطة، والحفاظ على استقرارها الداخلي، رغم الضغوط الممتدة من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، سواء في غزة شرقاً، أو ليبيا غرباً، أو السودان جنوباً، إلى جانب انعكاسات الأزمات الممتدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

شهادات الخبراء حول الدور المصري

قال الدكتور إكرام بدر الدين، خبير العلوم السياسية، إن الدولة المصرية واجهت منذ عام 2011 بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، اتسمت بتصاعد الصراعات المسلحة والحروب الأهلية في عدد من دول المنطقة، وهو ما فرض تحديات مباشرة على الأمن القومي المصري من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية. وأوضح أن التهديدات التي شهدتها المنطقة لم تكن بعيدة عن الحدود المصرية، مشيراً إلى أن قطاع غزة مثل بؤرة توتر في الاتجاه الشمالي الشرقي، بينما شهدت ليبيا حالة من الفوضى غرباً، إلى جانب الأزمة السودانية جنوباً، فضلاً عن تداعيات الأوضاع في اليمن وتأثيرها على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وأضاف بدر الدين أن مصر نجحت رغم هذه الظروف المعقدة في الحفاظ على حالة الأمن والاستقرار الداخلي، مؤكداً أن الحفاظ على الاستقرار يمثل إحدى أهم ركائز الأمن القومي لأي دولة، وهو ما يعكس قدرة الدولة المصرية على حماية مقدراتها الوطنية وسط حالة إقليمية مضطربة، وخصوصاً مع انتشار الحروب الأهلية في العديد من دول المنطقة. وأشار إلى أن القاهرة لم تكتف بحماية جبهتها الداخلية، وإنما لعبت أيضاً دوراً فاعلاً في دعم جهود التهدئة والتسوية السياسية للنزاعات الإقليمية، عبر التحرك الدبلوماسي والسياسي المكثف.

وأوضح بدر الدين أن الدولة المصرية اعتمدت على عدة أدوات للحفاظ على استقرارها الداخلي ودورها الإقليمي، كان أبرزها "دبلوماسية القمة"، من خلال اللقاءات المكثفة التي جمعت القيادة السياسية المصرية بزعماء وقادة العالم، إلى جانب تبنى خطاب يدعو للحلول السياسية والوساطات ورفض منطق القوة والعنف المسلح. وأكد أن مصر حرصت خلال السنوات الأخيرة على الدفع نحو الحلول السلمية في أزمات المنطقة، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الصراعات المسلحة يهدد استقرار الإقليم بأكمله، وليس فقط الدول المنخرطة فيها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وكشف بدر الدين أن القاهرة نجحت في بناء "جدار أمني وسياسي" حمى الدولة من الانزلاق إلى صراعات المنطقة، رغم التداعيات الخطيرة التي فرضتها تلك الأزمات على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وأشار إلى أن التهديدات التي تعرضت لها الملاحة الدولية في البحر الأحمر كان لها تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، ومع ذلك تمكنت مصر من الحفاظ على توازنها واستقرارها، لافتاً إلى أن الدور الإقليمي المصري ظل حاضراً ومؤثراً في مختلف الملفات.

استراتيجية مصر في مواجهة الفوضى الإقليمية

بدوره، قال الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس، إن استراتيجيات الدولة المصرية في التعامل مع حالة الفوضى الإقليمية التي أعقبت عام 2011، وخاصة خلال السنوات التالية لـ2013 و2016، عكست إدراكاً عميقاً لطبيعة التهديدات المحيطة بالدولة المصرية من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية. وأوضح أن المنطقة شهدت موجات متتالية من الصراعات المسلحة والحروب الأهلية التي امتدت آثارها إلى الأمن الإقليمي والدولي.

وبين سلامة أن مصر كانت في قلب هذا الإقليم المضطرب جغرافياً، حيث واجهت تحديات مباشرة على حدودها في ليبيا غرباً، وفي السودان جنوباً، فضلاً عن الأوضاع شديدة التعقيد في قطاع غزة شمال شرق، إلى جانب تداعيات غير مباشرة للصراعات في اليمن والبحر الأحمر. وأكد أن هذا فرض على الدولة المصرية تبنى مقاربة شاملة تقوم على حماية الأمن القومي ومنع انتقال الفوضى إلى الداخل، وأن القاهرة نجحت خلال تلك المرحلة في الحفاظ على استقرارها الداخلي، رغم ما وصفه بـ"البيئة الإقليمية شديدة الاضطراب".

وتطرق سلامة إلى أحد أهم عناصر القوة التي اعتمدت عليها الدولة المصرية، وهي الدبلوماسية النشطة وسياسة التحرك المتوازن، سواء من خلال القمم والاتصالات الثنائية أو عبر جهود الوساطة وطرح الحلول السياسية للأزمات، بدلاً من الانخراط في منطق القوة أو الصراعات المسلحة. وشدد على أن مصر لعبت دوراً مهماً في دعم مسارات التهدئة في عدد من الأزمات الإقليمية، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، معتبراً أن هذا النهج عزز من مكانتها كدولة محورية في إدارة أزمات المنطقة.

واختتم سلامة حديثه بالإشارة إلى أن قدرة مصر على بناء "جدار أمني وسياسي" حماها من الانزلاق إلى صراعات مباشرة، جعلتها في وضع أكثر تماسكاً داخل بيئة إقليمية شديدة السيولة، وهو ما انعكس على استمرار دورها الإقليمي الفاعل رغم حجم التحديات المحيطة بها.