أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«قصف» سلطنة عُمان حالة من الدهشة والاستغراب، في واحدة من أكثر التصريحات الأمريكية غرابة واستفزازاً في التاريخ السياسي الحديث. ليست هذه التهديدات موجهة ضد «دولة معادية» أو «خصم استراتيجي» كما تزعم واشنطن دائماً، بل ضد دولة عربية خليجية عُرفت لعقود بأنها صوت الحكمة والوساطة والاتزان في منطقة تمزقها الحروب والصراعات.
عُمان: تاريخ عريق وحضارة ضاربة
تُعد سلطنة عُمان أقدم دولة عربية مستقلة بشكل متواصل في العالم العربي، كما أنها أول دولة خليجية تقيم علاقات رسمية مع الولايات المتحدة عام 1833. فبأي منطق سياسي تلوح واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية أو تدمير دولة عربية مستقلة فقط لأنها شريك جغرافي في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟ إن ما يُطرح اليوم هو تحول خطير في العقلية الأمريكية التي باتت تتعامل مع المنطقة بعقلية «البلطجة الدولية»، حيث تتحول الدول العربية إلى أهداف للابتزاز والتهديد متى تعارضت مصالحها أو حساباتها مع الرؤية الأمريكية.
سلطنة عُمان ليست دولة معزولة في التاريخ ولا كياناً طارئاً على الجغرافيا السياسية للخليج العربي ليهددها الرئيس الأمريكي، بل هي الدولة العربية التي نجحت في طرد الإمبراطورية البرتغالية من الخليج العربي عام 1650، أي قبل أكثر من قرن من ولادة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. عُمان لم تكن يوماً دولة تابعة لأحد، ولم يُعرف عنها سياسات العدوان، بل كانت دائماً دولة توازنات وحوار، وتُلقب مسقط بـ«سويسرا الشرق الأوسط»، إذ انتهجت منذ فترة طويلة سياسة خارجية مستقلة بشدة، صاغتها الجغرافيا والتاريخ.
الموقع الاستراتيجي ودور الوساطة
ساعد موقع عُمان الاستراتيجي على بحر العرب وسيطرتها الجزئية على مضيق هرمز في تحويلها إلى قوة إقليمية خلال القرن التاسع عشر، حيث امتلكت واحدة من أقوى القوات البحرية في المنطقة. لكن هذا الموقع جعلها أيضاً عرضة لغزوات وتدخلات متكررة من قوى إقليمية، إضافة إلى تمردات داخلية مدعومة من أطراف خارجية. ومنذ عقود، لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط بين القوى المتصارعة وفتحت قنوات التواصل عندما أُغلقت الأبواب، وسعت إلى تجنيب المنطقة الانفجار الشامل. فكيف تتحول دولة بهذه المكانة إلى هدف للتهديد العسكري الأمريكي؟!
يبدو أن بعض دوائر القرار في واشنطن تريد تحويل الجغرافيا إلى تهمة، وتحويل السيادة إلى جريمة، وتحويل أي موقف مستقل إلى ذريعة للعقاب. لعبت «مسقط» دور الوسيط في مفاوضات إطلاق السجناء مع إيران نيابة عن واشنطن على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، واستضافت محادثات خلف الكواليس بين الخصمين. وأصبحت عُمان في ظل توترات الحرب الباردة وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، أول دولة خليجية توقع اتفاقية وصول عسكري مع الولايات المتحدة عام 1980. فأي جنون سياسي يجعل واشنطن تفكر في إشعال مواجهة في الخليج العربي بينما العالم كله يخشى انفجاراً اقتصادياً عالمياً بسبب اضطراب الملاحة والطاقة بإغلاق مضيق هرمز؟
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي
تأتي التهديدات الأمريكية في وقت بالغ الحساسية يتعلق بمضيق هرمز، الشريان البحري الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط والطاقة العالمية. ومن المعروف جغرافياً وقانونياً أن المضيق ليس ملكاً لطرف واحد، بل تتقاسم سلطنة عُمان وإيران الإشراف الجغرافي عليه، وهو أمر تحكمه خرائط التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي لا أهواء الساسة وتقلبات الانتخابات الأمريكية.
رسالة خطيرة: السيادة لم تعد محترمة
إن تهديد سلطنة عُمان هو رسالة خطيرة مفادها أن السيادة لم تعد محترمة في «القاموس الأمريكي»، وأن أي دولة ترفض الانصياع الكامل قد تصبح هدفاً للعقوبات أو التهديد أو حتى التدمير. قد نختلف مع سياسة سلطنة عُمان في بعض الملفات، لكن هذا لا يعني القبول بأي تهديدات تمس سيادتها أو أمنها واستقرارها. المنطقة العربية لا تحتاج إلى مزيد من التهديدات، بل تحتاج إلى احترام سيادة الدول والاعتراف بحق شعوب المنطقة في إدارة شئونها بعيداً عن الهيمنة والابتزاز.
ستبقى سلطنة عُمان دولة عربية عريقة ضاربة الجذور في التاريخ، وستظل ذاكرة الخليج العربي تتذكر أن هذه الأرض التي تُهدَّد الآن هي نفسها الأرض التي هزمت الإمبراطوريات الأجنبية قبل قرون عندما كانت واشنطن نفسها لم تولد بعد.



