في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية حادة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وأزمات طاقة متفاقمة، يشارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع (G7) المقامة في مدينة إيفيان بفرنسا خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026. هذه المشاركة ليست مجرد دعوة دبلوماسية، بل اعتراف دولي بمكانة مصر كلاعب محوري في أمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد، والتجارة الدولية.
موقع استراتيجي ودور قناة السويس في التجارة العالمية
تقع مصر على مفترق طرق العالم، وتُعد قناة السويس شريان الحياة للتجارة العالمية. رغم التحديات الإقليمية السابقة التي أثرت على حركة الملاحة، شهدت الإيرادات تعافياً ملحوظاً في 2026. بلغت إيرادات القناة نحو 449 مليون دولار في الفترة الأولى من العام، مقارنة بـ368 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025، مع مرور 1315 سفينة بحمولة صافية 56 مليون طن. هذا التعافي يعكس أهمية القناة كممر حيوي يربط بين أوروبا وآسيا، حيث يمر نحو 12-15% من التجارة العالمية عبرها. مع تطوير الموانئ المحيطة، أصبحت مصر مركزاً لوجستياً عالمياً يساهم في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل التوترات في البحر الأحمر وغيرها من المناطق.
مشروعات الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر.. نحو أمن طاقة إقليمي وعالمي
تُعد مصر ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي في أفريقيا، رغم التحديات الأخيرة في الإنتاج. يعتمد الإنتاج بشكل أساسي على حقل ظهر العملاق، الذي ساهم في تعزيز القدرات التصديرية. ورغم انخفاض الإنتاج في السنوات الأخيرة بسبب الاستنزاف الطبيعي، تسعى الحكومة من خلال خطة خمسية لاستكشاف وتطوير آبار جديدة باستثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار، بهدف رفع الإنتاج إلى 6.4-6.6 مليار قدم مكعب يومياً.
في سياق أمن الطاقة، تحولت مصر إلى مركز إقليمي للغاز، حيث تستورد غازاً من دول مجاورة ودول أخرى لإعادة التصدير كغاز مسال (LNG) إلى أوروبا. في 2025، سجلت واردات LNG رقماً قياسياً، لكن الاستراتيجية الطويلة الأمد تركز على تعزيز الاكتفاء وإعادة التصدير.
أما في مجال الهيدروجين الأخضر، فمصر تتقدم بخطى سريعة لتصبح مركزاً عالمياً من خلال مشروعات مثل مشروع 100 ميجاوات في عين سخنا، حيث بدأ الإنتاج الجزئي ويصدر مشتقات إلى أوروبا والولايات المتحدة. هناك مشروعات أخرى بمليارات الدولارات في منطقة قناة السويس الاقتصادية، بما في ذلك اتفاقيات مع ألمانيا وفرنسا والإمارات، تهدف إلى إنتاج ملايين الأطنان من الأمونيا الخضراء. تستهدف مصر جذب استثمارات تصل إلى 40 مليار دولار في هذا المجال، مما يعزز دورها في الانتقال الطاقي العالمي.
الموانئ والمناطق اللوجستية.. بوابة لوجستية عالمية
شهدت الموانئ المصرية طفرة تنموية هائلة. حققت الموانئ معدل مرور تاريخي بلغ 10 ملايين حاوية مكافئة (TEUs) بنهاية 2025. منطقة قناة السويس الاقتصادية تضم 6 موانئ رئيسية و4 مناطق صناعية، وتجذب استثمارات أجنبية كبيرة، مثل اتفاقية مع موانئ أبوظبي لتطوير منطقة لوجستية صناعية في شرق بورسعيد. ميناء شرق بورسعيد أصبح أكبر ميناء حاويات في أفريقيا والثالث عالمياً، فالتوسعات تشمل أرصفة جديدة بعمق يصل إلى 25 متراً، قادرة على استيعاب السفن العملاقة، مما يعزز قدرة مصر على التحويل وتعزيز سلاسل التوريد العالمية.
مصر شريك لا غنى عنه
دعوة مصر إلى قمة G7 تعكس الثقة الدولية في دورها كمحور للاستقرار الإقليمي، ومساهم رئيسي في أمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد. بفضل موقعها الجغرافي، مشروعاتها الطاقية الطموحة، وتطوير بنيتها اللوجستية، أصبحت مصر لاعباً لا يمكن تجاهله في الاقتصاد العالمي. في عالم يبحث عن شركاء موثوقين، تقف مصر على طاولة الكبار بمكتسبات حقيقية ومستقبل واعد.



