الحرب الإيرانية تعيد تشكيل موازين القوة العالمية وتكشف حدود القوة الأمريكية
الحرب الإيرانية تعيد تشكيل موازين القوة العالمية

أشارت التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى تحول أعمق في بنية النظام الدولي، يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة ليعيد رسم خرائط النفوذ والردع في الشرق الأوسط، مع امتدادات واضحة على التوازنات العالمية خلال السنوات المقبلة.

تحول في مفهوم القوة الأمريكية

وبحسب تحليل للكاتب والمحلل السياسي الأمريكي مايكل هيرش بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية؛ فهذه الحرب وما تبعها من ترتيبات دبلوماسية لاحقة؛ بما في ذلك مذكرة التفاهم بين الأطراف المعنية، لم تقتصر على إنهاء مرحلة التصعيد بل كشفت أيضًا حدود القدرة الأمريكية على فرض نتائج حاسمة في الصراعات الممتدة، في مقابل صعود قدرة أطراف إقليمية وفي مقدمتها إيران على إدارة أدوات الضغط والتأثير.

وبحسب التحليل، دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المواجهة وهي تراهن على فرض معادلات ردع جديدة، وإعادة ضبط سلوك طهران في الإقليم، إلا أن النتائج النهائية جاءت وفق تقديرات «هيرش»، أقل حسمًا مما كان مخططًا له، في ظل استمرار إيران في الحفاظ على أدوات تأثير استراتيجية، أبرزها النفوذ غير المباشر في مسارات التصعيد الإقليمي، وقدرتها على التأثير في أمن الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مذكرة التفاهم: تسوية مؤقتة أم اتفاق دائم؟

وأضاف التقرير، أن مذكرة التفاهم التي أعقبت الحرب حملت بنودًا اعتبرها مراقبون أقرب إلى تسوية سياسية مؤقتة، مقارنة بالخطاب الأمريكي السابق الذي كان يميل إلى التشدد، خصوصًا فيما يتعلق بتخفيف بعض القيود الاقتصادية، وإمكانية إعادة فتح قنوات تصدير النفط الإيراني تدريجيًا، مقابل التزامات فضفاضة تتعلق بخفض التصعيد واحتواء التوترات العسكرية.

إيران تحتفظ بأوراق القوة

وفي المقابل، أشار التحليل إلى أن إيران خرجت من المواجهة وهي تحتفظ بجزء مهم من أوراق القوة ليس فقط على المستوى العسكري غير المباشر، بل أيضًا على مستوى النفوذ السياسي الإقليمي، بما في ذلك قدرتها على التأثير في توازنات لبنان وسوريا والعراق، وهو ما يمنحها قدرة مستمرة على فرض شروط تفاوضية في أي مسار سياسي لاحق مع واشنطن.

كما لفت التحليل إلى أن تداعيات الحرب لم تتوقف عند العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل امتدت لتشمل إسرائيل أيضًا، التي وجدت نفسها في حالة احتكاك سياسي متزايد مع واشنطن بشأن إدارة ملفات المنطقة، خاصة في لبنان، إذ يتداخل الصراع مع حزب الله مع الحسابات الأمريكية الخاصة باستقرار الاتفاقات الإقليمية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إعادة تعريف مفهوم القوة الأمريكية

وذهب التحليل إلى أن أحد أبرز التحولات في هذه المرحلة يتمثل في إعادة تعريف مفهوم القوة الأمريكية نفسه، إذ لم يعد قائمًا فقط على التفوق العسكري؛ بل أصبح أكثر ارتباطًا بالاستقرار الاقتصادي الداخلي، وحساسية الأسواق المالية، وهي نقطة ضعف باتت الأطراف الأخرى تدركها وتتعامل معها كأداة ضغط فعالة.

وفي هذا السياق، أشار الكاتب إلى أن الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة، تتابع هذه التحولات عن كثب، وتختبر بدقة حدود قدرة واشنطن على خوض صراعات ممتدة دون التأثير على استقرارها الاقتصادي الداخلي، خاصة في ما يتعلق بملفات حساسة مثل تايوان وسلاسل الإمداد العالمية.

نحو نمط جديد من التنافس الدولي

وأشار التحليل في نهايته، إلى أن المرحلة الحالية لا تمثل نهاية للصراع؛ بل انتقالًا إلى نمط جديد من التنافس الدولي، تتداخل فيه أدوات الحرب التقليدية مع أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، في بيئة دولية أكثر سيولة وتعقيدًا، إذ لم يعد أي طرف قادرًا على تحقيق انتصار حاسم أو فرض هيمنة كاملة كما كان في العقود السابقة.