لو أن أحداً أراد أن يلخص الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عام 2024 في صورتين، لكانت الصورة الأولى حتماً هي صورة المرشح الرئاسي وقتها دونالد ترامب وهو يرفع قبضته بقوة أمام مناصريه بينما الدماء تنزف من جرح سطحي في أذنه بعد تعرضه لإطلاق النار عليه في بنسلفانيا، وهي اللقطة التي لعبت بلا شك دوراً في حشد مزيد من التأييد للمرشح الجمهوري الذي أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية. أما الصورة الثانية، فستكون على الأرجح هي صورة منافسه، الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن خلال المناظرة الشهيرة التي جرت بينهما، وظهر فيها الرئيس الذي ينتمي للحزب الديمقراطي، تائهاً، ذاهلاً، ضائع الكلمات والنظرات، عاجزاً عن رد الضربة بمثلها، تخرج منه عبارات أقرب إلى اللامعقول، تصيب مساعديه بالصدمة، وتصيب الأمريكيين بالفزع، إلى الحد الذي تصوروا فيه أن رئيسهم يعاني من نوع من العجز في الوظائف الإدراكية، وأنه لم يعد مؤهلاً حتى لاستكمال أيام فترته الرئاسية الأولى المتبقية، فكيف بالترشح لفترة رئاسية ثانية؟
جيل بايدن تروي تفاصيل المناظرة
جيل بايدن، قرينة الرئيس الأمريكي السابق، كانت تجلس مع مساعديه في غرفة مجاورة للاستديو الذي جرت فيه هذه المناظرة التي أصبحت فيما بعد نقطة تحول في مسار سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية. تحكي في مذكراتها التي صدرت منذ أسبوعين في الولايات المتحدة حاملة عنوان «إطلالة من الجناح الشرقي»، عن تلك المناظرة وما حدث بعدها بتفاصيل دقيقة من قلب بيت الرئيس الأمريكي السابق، لكنها في تلك المذكرات، تدافع عن زوجها ضد الضربات التي تلقاها من الأصدقاء قبل الأعداء، تعترف بأخطائه وأخطائها، وتقيّم تجربتها كسيدة أولى شعرت أن زوجها قد تعرض لظلم فادح وقسوة فاقت الحد في أيامه الأخيرة كرئيس، لكنها تدرك بشكل عملي وواقعي، أن هذا ثمن متوقع عند الدخول في لعبة السياسة، وأن من وصل يوماً ما إلى منصب الرئيس الأمريكي الذي يوصف بأنه «أقوى رجل في العالم»، عليه أن يتحمل أيضاً أقوى الضربات.
ظلت لأسابيع أطالب جو بوقف إطلاق النار
ترى جيل في مذكراتها أن الصورة التي ظهر عليها بايدن خلال تلك المناظرة، ليست هي الحالة التي كان عليها في المعتاد، أي إنها كانت حالة طارئة عليه، لكن الأمريكان أصبحوا يعتبرونها هي الصورة الوحيدة والدائمة له، وتساقط المؤيدون له واحداً تلو الآخر بعد تلك المناظرة حتى كتب النجم الأمريكي الشهير جورج كلوني مقالاً يعلن فيه تقديره وحبه لبايدن، لكنه يطالبه بالخروج من السباق الرئاسي بعد أن التقى به في حفل لجمع التبرعات، ووجد أن بايدن الذي التقى به في الحفل «هو نفسه بايدن الذي رآه الجميع خلال المناظرة» على حد قوله. أما جيل فترفض في مذكراتها، كما رفضت وقتها في الواقع، أن تترك تسعين دقيقة (هي مدة المناظرة) تمحو كل مسيرة زوجها السياسية والمهنية التي استمرت لعدة عقود.
هذا الإصرار على الدفاع عن زوجها لم يمنع جيل بايدن من الاعتراف بحجم الضرر الذي تسبب فيه أداؤه في المناظرة أمام ترامب. تقول جيل في مذكراتها عن زوجها: «خلال تلك المناظرة شعرنا أننا نرى أمامنا نسخة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي للرجل الذي نعرفه، وأن هناك خللاً أو انقطاعاً في هذه الصورة أو الهولوجرام، وتساءلت: هل تم تخديره؟ يا إلهي! هل من يشاهدون هذا سيظنون أنه هكذا طيلة الوقت؟. في تلك المناظرة فقد جو نفسه، فقد جوهر من يكون حقاً. لم يتحدث من قلبه، وكذب خصمه أكثر من مائة مرة، لكن هذا لم يكن يهم. كانت الأفكار تتصارع في ذهني بينما المناظرة مستمرة، وظللت أنتظر أن يرد جو على الضربات الموجهة له لكنه بدا تائهاً. هل كان يمر بظرف طارئ يحتاج لتدخل طبي؟ ما الذي كان يحدث؟ لم أرَ مثل هذه النظرة على وجهه في حياتي كلها».
وتواصل: «بمجرد أن انتهت المناظرة توجهت إليه، ثم توجهنا معاً لنودع القائمين على إدارة المناظرة، وكان يخيم عليهم الصمت، وفكرت أن الأمر قد سار فعلاً على نحو رهيب. وبينما كنا نغادر المكان همس لي جو قائلاً: لقد أفسدت الأمر حقاً (مستخدماً تعبيراً أمريكياً خارجاً) أليس كذلك؟» ورددت عليه هامسة كذلك: نعم، لقد فعلت». حتى هذه اللحظة ما زلت لا أعرف ما الذي حدث. لماذا لم يكن لكلامه معنى؟ المرة الوحيدة التي رأيته فيها على مثل هذه الحالة كانت بعد إجرائه عملية جراحية. ليتني فكرت ساعتها في إجراء تحاليل دم له حتى نعرف ماذا يوجد في جسمه. هل تناول شيئاً أو دواء على متن الطائرة لتخفيف السعال؟ هل أخذ دواء في الفندق للمساعدة على النوم؟».
وتتابع: «بدا جو مكتئباً وكانت هذه علامة بالنسبة لي على أنه يدرك أن أداءه كان سيئاً في المناظرة وأنه قد بدأ يستجمع نفسه. شعرت بأنه مجروح وأردت أن أقول شيئاً إيجابياً. قلت بصدق: لقد أجبت عن كل سؤال، وكنت تعرف كل الحقائق، ما الذي فعله ترامب؟ لقد كذب». وفعلاً، لقد تفادى خصم جو في المناظرة كل الأسئلة التي لم يرغب في الإجابة عنها، بينما حاول جو أن يقدم إجابة كاملة عن كل سؤال. لكن بالنظر اليوم إلى الوراء، تبدو تعليقاتي منفصلة نوعاً ما عما رآه الناس، وأتساءل ما إذا كنا قد حاولنا بكل طاقتنا، منذ الدقائق الأولى بعد المناظرة، أن نطمئن الجميع بحيث إننا لم نأخذ وقتنا للاعتراف بأن جو لم يبدُ في حالة جيدة خلالها، ولا بأن نقول للجمهور صراحة: «نعم، لقد كان ذلك سيئاً من دون شك». ربما كنا عندها قد نجحنا ساعتها فقط، بمجرد أن نتفهم قلق الناس، أن نجد تفسيراً لما حدث».
كانت تلك الليلة هي المرة الأولى التي تسمع فيها جيل تلميحات صريحة بأن من يحيطون بالرئيس الأمريكي يخفون متعمدين تدهور قدراته الذهنية الذي ظهر واضحاً في أدائه خلال المناظرة مع ترامب. تقول: «بدأت التقارير الإخبارية ترد إلى هواتفنا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي بدأنا نسمع فيها صراحة اللغط الدائر بأنه على ما يبدو، فإن تدهور القدرات الذهنية والإدراكية لجو أمر يتم إخفاؤه عمداً بواسطة المحيطين به حتى نظل في السلطة. بالنسبة لي كان الأمر سخيفاً إلى حد أنني لم أتخيل حتى إنه يستحق عناء الرد. ولم أتصور أبداً أن هذه النظرية سوف تنتشر أو تخرج عن السيطرة».
وتضيف جيل بايدن: «في اليوم التالي للمناظرة استيقظت كالعادة قبل جو، وبعد أن تناولت قهوتي ذهبت لأوقظه من النوم، وعندما شعرت بتثاقله قلت له: «انهض، لن نترك تسعين دقيقة (هي المدة التي استغرقتها المناظرة مع ترامب) تحدد مسيرة مهنية كاملة». وفي ذلك اليوم ألقى جو واحداً من أفضل خطاباته قائلاً من قلبه: «قد لا أكون قادراً على السير بنفس السهولة التي كنت أمشي بها من قبل، ولا أتحدث الآن بنفس السلاسة التي كنت عليها من قبل، ولا أناظر بنفس الإجادة التي كنت عليها من قبل، لكنني أعرف كيف أقول الحقيقة، وكيف أميّز الصواب من الخطأ، وأعرف كيف يمكن القيام بهذا العمل. وأعرف، مثل ملايين الأمريكان، أنه عندما تسقط أرضاً، عليك أن تنهض». شعرت في تلك اللحظة وأنا بجانبه أننا نمضياً قدماً، لكن هذا الإحساس لم يستمر. كان الدرس الأهم بالنسبة لنا على ما أعتقد أنه إذا لم تشرح شيئاً ما بشكل جيد بما فيه الكفاية، فإن السؤال سيظل قائماً ولن يختفي».
الضغوط للانسحاب من السباق
تصل مذكرات جيل بايدن إلى اللحظة التي بدأت فيها المطالبات صراحة لزوجها بالتخلي عن السباق الرئاسي، تقول: «لم يقدم أحد قط تفسيراً مرضياً بما يكفي حول أداء جو في المناظرة، وكثير من الناس لم يستطيعوا تجاوز ذلك الأمر، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت هناك مطالبات له بالتخلي عن سباق الرئاسة يتزايد صوتها يوماً بعد يوم. أداء جو في المناظرة أصاب الناس بالخوف حتى ظنوا أنه يعاني من تدهور ذهني أو إدراكي شديد وأنه لم يكن لائقاً من الناحية العقلية للرئاسة». وتواصل: «بالنسبة لي ولهؤلاء الذين يقضون معظم وقتهم مع جو، لم يكن ذلك الرجل الذي ظهر في المناظرة هو نفس الرجل الذي نراه بشكل يومي. صحيح أنه كان أكبر سناً، وأنه يبدو أكثر إرهاقاً، إلا أن المستشارين المقربين من جو قالوا إن الحملة ما زالت قائمة، وأصروا على أنه مدين للبلاد بالبقاء في سباق الرئاسة. كانت النظرة المتفائلة ترى أن عدداً كافياً من الناخبين سوف يقول: «ليكن، إنه كبير في السن لكنه يقوم بعمل جيد، ولدينا نائبة رئيس شابة، ولو أنه في خلال فترته الرئاسية الثانية قد وصل إلى النقطة التي يحتاج فيها إلى تسليم السلطة، فإن أسوأ السيناريوهات هنا يظل سيناريو جيداً». والواقع أنه حتى بعد المناظرة ظللت أعتقد أن جو هو الرهان الأفضل لمنع رجوع إدارة ستجلب معها الفوضى على الأرجح».
وتضيف: «إلا أن المعلومات التي تدق جرس الإنذار ظلت تتوالى، وقيل لي إن الناس بدأوا يطالبون بالتوقف عن منح التبرعات لحملة جو. وأرسل لي شخص أعرفه بالكاد رسالة عبر الهاتف يقول لي «يبدو أن الوقت قد حان لأخذ مفاتيح السيارة من الجد». شعرت أن هذا كلام في منتهى العجرفة، بالضبط مثل المكالمات التي تأتي جو كل ساعة تطالبه بالتنحي جانباً، وصار الأمر أقرب إلى الموت بسبب آلاف الجروح الصغيرة». وتتابع: «كان هناك كلام عن قيام جو بعمل اختبار للقدرات الذهنية والإدراكية. كان رأيي أن هذا لن يكون صعباً بالنسبة له، لماذا لا نمنح الناس نتائج ذلك الاختبار حتى يطمئنوا إلى أهليته؟ لكن هذا الرأي كان يتعارض مع ما يراه مستشارو جو الذين قالوا له إن كل يوم يقضيه وهو يؤدى عمله كرئيس هو اختبار ذهني وإدراكي. لو أنني سُئلت ما هو الأفضل بالنسبة للعائلة لقلت إن الإجابة الواضحة هي الخروج. إن ثمن الدخول في السياسة أنه يتم الحكم عليك بلا توقف، لا أحد يتعامل معك بمرونة، يتم النظر إلىك دائماً بعين متشككة تراقب أيضاً الطريقة التي تتحدث بها وأي خطوة خاطئة تقوم بها، لكنني كنت أريد ما هو أفضل بالنسبة للبلاد، وفي النهاية كان هذا هو قرار جو وحده».
وتضيف: «عندما لم يستطع الناس إقناع جو بالتخلي عن سباق الرئاسة، بدأوا يضغطون عليَّ أنا. صاروا يشجعونني حتى «أكون البطلة» أو أن أخرج للعلن قائلة «لقد أقنعت زوجي بعدم الترشح». البعض ممن ظنوا أنه من الممكن إقناعي بأن أطالب جو بالخروج من السباق كانوا مصرين على أنني قد فعلت هذا من قبل خلال الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤ (أمام جورج بوش الابن)، لكن الفارق أن في تلك الانتخابات أن جو أخبرني أنه لا يريد الترشح للانتخابات في هذا العام، ولم يتوقف الخبراء السياسيون عن زيارة منزلنا محاولين إقناعه بالعكس، أي بالترشح أمام جورج بوش الابن، وظل هؤلاء الرجال يتوافدون على منزلنا للإلحاح عليه، حتى شعرت في يوم من الأيام أنني أخذت كفايتي من هذا. وبينما أنا جالسة بجوار حمام السباحة في منزلنا مرتدية البيكيني شعرت بأن غضبي يتزايد أكثر فأكثر. وأخيراً كتبت كلمة «لا» بحروف كبيرة على بطني باستخدام قلم أسود، ودخلت بهذا الشكل عليهم وسط جلسة نقاشهم الاستراتيجي. لم أكن أقول «لا» لجو لكني كنت أعبر عن نفاد صبري من هؤلاء الرجال العدوانيين الذين يدخلون إلى منزلي محاولين إقناع جو بأن يفعل شيئاً سبق أن قال لهم بوضوح إنه لا يريد فعله».
حادثة إطلاق النار على ترامب
ثم تحكي جيل عن حادثة إطلاق النار على منافس زوجها كما عاشتها قائلة: «وفي يوليو ٢٠٢٤ أصيب منافس جو في السباق الرئاسي (أي الرئيس الحالي دونالد ترامب) في بنسلفانيا. كان الأمر مروعاً ولم أفهم كيف حدث بالنظر إلى البروتوكولات المعتادة في تأمين المنطقة. اتصلت بميلانيا ترامب (السيدة الأولى الحالية) وقلت لها إن فكري معها ومع ابنها بارون، وكانت هي مهذبة ورابطة الجأش كعادتها، وقالت لي إنهم «بخير» وشكرتني على اتصالي. واستمر جو في السباق الرئاسي. صار الناس، واحداً تلو الآخر، يتصلون ليبلغوا جو بما يرونه قائلين «سنك عامل مؤثر. أنت غارق تحت الماء. ترامب يتقدم في استطلاعات الرأي». وتواصل: «أصبح جو مهووساً بتليفونه الآيفون والتغطية الإخبارية المتواصلة عليه، وكانت خوارزميات الجهاز تنتقي له أسوأ الأسوأ فيها. كان يشاهد قناة فوكس باستمرار (أكثر القنوات الإخبارية هجوماً عليه وتأييداً للرئيس ترامب)، وشاهد وسمع كل الخطاب السلبي ضده. أحد الأمور التي سمعتها فيما بعد كانت أن الدائرة الداخلية المحيطة بجو قامت بحمايته من الأخبار السلبية ووضعته في فقاعة من التفاؤل الوهمي. هذا غير صحيح. لقد كان يتعرض لطوفان من الأخبار كل يوم، وكانت كلها تقريباً أخباراً سيئة».
موقفها من حرب غزة
ربما كان جو بايدن في أيامه الأخيرة كرئيس مشغولاً بالأخبار السيئة التي يتلقاها حول تقدم منافسه وتراجع شعبيته هو، إلا أن العالم كله في فترة رئاسة بايدن كان مشغولاً بواحدة من أفظع المشاهد التي شهدها في تاريخه الحديث، وهي مشاهد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس يوم ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وأدى إلى تداعيات شديدة الخطورة على المنطقة كلها. لم يكن موقف جو بايدن مختلفاً عن موقف الإدارات الأمريكية على اختلافها، والتي تتفق في تأييدها المطلق لإسرائيل، ولم تكن النبرة التي تتحدث بها جيل بايدن في مذكراتها عن ذلك الحدث بعيدة عن ذلك التأييد. إلا أنها وصلت إلى نقطة معينة، بعد أن شهدت مصرع أفراد فريق إغاثة تثق في مهمتهم السلمية على يد القوات الإسرائيلية، لم تعد معها قادرة على الاحتفاظ بحيادها وصمتها أمام ما يحدث في غزة، حتى مع تأييدها الواضح لإسرائيل.
تقول السيدة الأمريكية الأولى في مذكراتها: «في صباح يوم ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كنت أقوم بتصحيح اختبارات طلابي في الكلية عندما تلقيت رسالة على الهاتف من طاقم العمل في البيت الأبيض يسألونني ما إذا كان جو قد استيقظ. جلس جو يتحدث على الهاتف مع الأمن القومي بينما فتحت أنا القنوات الإخبارية لأشاهد ما كان يحدث. كانت حركة حماس قد قامت بعمليات قتل وحشية واغتصاب وحرق لمدنيين إسرائيليين أبرياء. كان هذا أسبوعاً مليئاً بالأحزان والحداد، ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الهجوم الإرهابي قائلاً: «نحن في حالة حرب». لم يعرف أحد بالضبط ما يعنيه هذا الأمر في ذلك الوقت، ولا كم من البشر سوف يموتون، ولا كم من الدول سوف تتورط فيما يحدث. لكننا كنا نعرف أن نتنياهو سوف يسعى لإقصاء حماس من السلطة من أجل إبقاء إسرائيل آمنة».
وتواصل: «كان الدعم الأمريكي لإسرائيل واضحاً، وكان هناك غضب وإدانة للهجوم، وأراد جو أن يقف إلى جانب الشعب الإسرائيلي وسافر للقاء نتنياهو من أجل إظهار الدعم. إلا أن الأسابيع تحولت إلى شهور، وارتفع عدد القتلى الفلسطينيين، وكانت صور الأطفال الذين يعانون من الجوع والمدن التي تحولت إلى أنقاض تدفع أصحاب الضمائر حول العالم لكي يتساءلوا متى سينتهي ذلك كله؟. اتصل البابا فرنسيس بابا الفاتيكان بجو لكي يبحث معه شأن الحرب، خاصة ما يتعلق بإطلاق سراح الرهائن وأهمية حماية المدنيين. وخلال المكالمة، طلب جو من البابا أن يصلي من أجله، وطلب البابا فرنسيس من جو بدوره أن يصلي من أجله أيضاً، وظل يردد له: أنت رجل سلام».
وتضيف: «خلال عملي كزوجة لنائب الرئيس الأمريكي، كنت شاهدة على الجفاف والمجاعات في أحد معسكرات اللاجئين في كينيا، وقمت بزيارة مناطق أزمات خلال عملي كرئيس لمجلس مؤسسة «أنقذوا الأطفال» بين عامي ٢٠١٧ و٢٠١٩. شعرت بالإعجاب أمام جهود الإغاثة التي يقوم بها الشيف الإنساني العظيم خوزيه أندريس، الذي أطلق «المطبخ المركزي العالمي» عام ٢٠١٠، ليوصيل الطعام إلى أكثر المناطق احتياجاً له. كان يقول: «إن أطباق الطعام التي نقوم بطهيها وتوصيلها ليست مجرد مكونات أو سعرات. طبق الطعام هو طبق من الأمل. رسالة بأن هناك شخصاً ما، في مكان ما من العالم، يهتم بأمرك». ومرة أخرى، شعرت أننا نحتاج إلى أن نحتفى بهؤلاء الذين يقدمون الدعم والرعاية للمواقف التي تبدو خطيرة ويائسة، وكان خوزيه أندريس أحد هؤلاء الناس».
وتتابع: «يوم ٢ أبريل ٢٠٢٤ كنت أضع لنفسي بعض رتوش الماكياج قبل الذهاب للتدريس بينما الأخبار الصباحية دائرة في الخلفية، عندما سمعت أن سبعة من العاملين المساعدين لخوزيه قد لقوا مصرعهم بسبب القنابل الإسرائيلية خلال قيامهم بمهمتهم السلمية. شعرت أن قلبي قد انفطر. لقد ظللت لأسابيع أطالب جو بأن يبذل كل ما في وسعه من أجل التوصل لوقف لإطلاق النار في الحرب بين إسرائيل وحماس. كنت أدرك بالطبع أن هناك الكثير مما لا أعرفه، إذ إن أغلب ما يطلع عليه جو يعتبر سرياً، لكن عندما قتلت القوات الإسرائيلية العاملين في المطبخ المركزي العالمي، شعرت أنه ينبغي عليّ أن أقول شيئاً ما». وتواصل جيل: «إنني أستيقظ في المعتاد قبل جو، لذلك رأيت قبله تلك الفظائع التي سيكون عليه أن يواجهها. وفي ذلك الصباح، عندما رأيت يوماً إضافياً من الدمار في غزة، تركت لجو ملاحظة على ورقة لاصقة على المرآة فوق حوض الحمام الخاص به حتى يراها عندما يستيقظ، وبعدها توجهت لعملي في التدريس. قلت له في الملاحظة: «عمال الإغاثة في المطبخ المركزي العالمي قد قتلوا، فيهم أمريكي واحد. على نت أن يتوقف (تقصد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو). وتتابع: «كانت هذه ملاحظة خاصة بيني وبين جو، لكن خلال اجتماع في ذلك الصباح، قرأ جو هذه الملاحظة بصوت عال. وخلال استراحة الغداء في عملي، تلقيت اتصالاً يقول لي إن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية سوف تنشر مقالاً حول ملاحظتي. كان فريق المساعدين الخاص بي يريد أن يعرف: هل هذا صحيح؟ وما الذي قلته بالضبط؟ شعرت في البداية بالغضب إزاء المساعدين، لأنني ظننت أنهم يقومون بتوبيخي. يا له من درس عن ثمن التعبير عن الرأي!. هل أجد نفسي في ورطة بسبب عشر كلمات في ملاحظة لاصقة تطالب بالسلام؟ قالت لي السكرتيرة الصحفية الخاصة بي إن الأمر ليس كذلك، وإنها تريد فقط أن تعرف ما الذي تقوله لصحيفة نيويورك تايمز حول هذا الأمر».
وتحكي جيل: «قلت: نعم لقد كتبت هذه الملاحظة. وظهر المقال في الصحيفة تحت عنوان يقول: «أوقف ذلك الآن. جيل بايدن تطالب سراً بإنهاء الصراع في غزة». وفي الصباح التالي، تركت ملاحظة لاصقة أخرى لأنني كنت أعلم أن جو سوف يتحدث إلى نتنياهو وقلت له: «كن قوياً، لا تدع ب. ن. (أي بنيامين نتنياهو) يستغل طيبتك». وفي هذه المرة أضفت رجاء له بأن يبقي هذه الملاحظة بيني وبينه». انتهت كلمات جيل بايدن عن غزة في مذكراتها، لكن معاناة أهالي القطاع ظلت مستمرة، كأن هناك من يصر على ألا تنتهي، أياً كان قاطن البيت الأبيض، سواءً كان «الرئيس الطيب»، أو «الرئيس الشرس»!



