بدأ الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، صباح اليوم، جولة تفقدية بمحافظة القاهرة، استهلها بزيارة المبنى التاريخي للجمعية الجغرافية المصرية، يرافقه المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والدكتور أسامة طلعت رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وممثلو إدارة المساحة العسكرية والأزهر الشريف، وعدد من الجهات المعنية.
الجمعية الجغرافية المصرية: أقدم الجمعيات الجغرافية عالمياً
أعرب مدبولي عن سعادته بزيارة هذا الصرح التاريخي العريق، مشيراً إلى أن الجمعية تُعد واحدة من أقدم الجمعيات الجغرافية على مستوى العالم، إذ تأسست عام 1875، وتضم مجموعة متنوعة من المقتنيات النادرة والثمينة التي توثق تاريخ علم الجغرافيا والعلوم المرتبطة به. وأضاف أن الجمعية شهدت العديد من المحطات المهمة في تاريخ مصر المعاصر، وقامت بتوثيقها من خلال مطبوعاتها ومقتنياتها المختلفة، بما يجعلها شاهداً على جانب مهم من التاريخ المصري.
وتابع مدبولي أن الجمعية شغلت مقرها الحالي عام 1923، فيما تم تسجيل المبنى لدى وزارة الآثار كمبنٍ أثري منذ عام 1992، بما يعكس ما يتمتع به من قيمة تاريخية ومعمارية متميزة. وأشار إلى الجهود التي تبذلها الجمعية حالياً في توثيق تراثها العلمي والثقافي، بما يشمله من كتب ومخطوطات ووثائق وخرائط نادرة، مؤكداً دعمه الكامل لهذا المشروع الوطني المهم، لما يمثله من إسهام في الحفاظ على الذاكرة العلمية والتاريخية لمصر وصونها للأجيال المقبلة.
توظيف تكنولوجيا المعلومات لحفظ التراث
أكد المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حرص الوزارة على توظيف تكنولوجيا المعلومات في الحفاظ على مقتنيات الجمعية، بما تضمه من كتب ودوريات علمية ورسائل جامعية وخرائط قديمة وحديثة وتاريخية، وذلك في إطار بروتوكول التعاون الموقع بين الوزارة والجمعية. وأوضح أن البروتوكول يهدف إلى حصر واختيار المحتوى الثقافي المرقمن لدى الجمعية وإتاحته عبر منصة تراث مصر الرقمي، إلى جانب رقمنة المحتوى الثقافي غير المرقمن المتفق على إتاحته عبر المنصة، التي تُعد إحدى أبرز مشروعات الوزارة في مجال حفظ وإتاحة التراث الثقافي والمعرفي المصري.
وأضاف أن منصة تراث مصر الرقمي تستهدف الحفاظ على التراث المعرفي المصري الأصيل، وتعزيز الربط بين الأجيال، وإبراز دور المعرفة المصرية في تشكيل الوعي المصري والعربي على مدار القرنين الماضيين، فضلاً عن إتاحة هذا المحتوى للجهات الأكاديمية والمنظمات البحثية والجهات الحكومية والدولية والأفراد داخل مصر وخارجها. وأشار إلى أن التراث الثقافي المصري يمثل ثروة قومية وأحد أهم روافد القوة الناعمة للدولة المصرية، مؤكداً أن الحفاظ على هذا التراث وإتاحته للأجيال الحالية والمستقبلية من خلال الآليات الرقمية يُعد أحد المحاور المهمة في جهود بناء مصر الرقمية.
التعاون الثقافي لتوثيق المقتنيات النادرة
أكدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، أنه ضمن حرص وزارة الثقافة على صون التراث الإنساني والمقتنيات التاريخية النادرة، تحرص الوزارة على التعاون مع الجمعية الجغرافية المصرية للتعريف بأهم مقتنياتها وتوثيقها، باعتبارها واحدة من أعرق المؤسسات العلمية التي أسهمت في دعم المعرفة والبحث العلمي على مدار عقود طويلة. وأوضحت أن هذا التعاون يشمل إبراز الخرائط النادرة والمقتنيات الفريدة التي تحتضنها الجمعية، إلى جانب الديوراما المتميزة التي تجسد مراسم افتتاح قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل، بما تحمله من قيمة تاريخية وبصرية تعكس حدثاً فارقاً في التاريخين المصري والعالمي.
وأكدت أن هذا التعاون يأتي تقديراً للدور الريادي الذي تضطلع به الجمعية الجغرافية المصرية باعتبارها منارة للمعرفة والتنوير ومؤسسة بحثية مرجعية، مشددة على أهمية توثيق هذا الإرث العلمي والثقافي وصونه وحمايته باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية المصرية.
جولة تفقدية في أرجاء المبنى التاريخي
استهل رئيس مجلس الوزراء جولته بصعود الطابق الأول بالمبنى، حيث تفقد القاعة الملكية التاريخية، التي تُعد إحدى أبرز القاعات بالمبنى العريق، كما اطلع على عدد من المكتبات التاريخية وما تضمه من مقتنيات ووثائق وكتب نادرة تعكس القيمة العلمية والثقافية للجمعية. وانتقل إلى الطابق الأرضي، إذ تفقد المتحف الإثنوغرافي الذي يضم مجموعة من المقتنيات المرتبطة بدراسات الثقافات والشعوب. وشملت الجولة زيارة قاعة القاهرة للعادات والتقاليد، التي تضم عدداً من المعروضات التراثية المهمة، من بينها المحمل الخاص بكسوة الكعبة المشرفة، فضلاً عن مقتنيات توثق تطور المجتمع المصري عبر مراحل تاريخية مختلفة. كما تفقد قاعة القاهرة للحرف والصناعات التقليدية، وقاعة أفريقيا التي تضم مقتنيات ووثائق مرتبطة ببعثات استكشاف منابع النيل.
كما شملت الجولة تفقد قاعة قناة السويس، التي تروي قصة حفر القناة وتطور مراحل تنفيذها حتى افتتاحها، وتضم عدداً من المقتنيات التاريخية المرتبطة بالمشروع، من بينها نماذج للآلات والمعدات التي استُخدمت خلال فترة الحفر، إلى جانب بانوراما تجسد مراسم افتتاح قناة السويس. ثم تفقد رئيس الوزراء المكتبة الكارتوجرافية، المتخصصة في جمع وتصنيف وحفظ وعرض الخرائط والأطالس التاريخية، والتي تضم مجموعة متميزة من الخرائط النادرة التي توثق تطور المعرفة الجغرافية عبر العصور.
عرض تفصيلي عن تاريخ الجمعية ومقتنياتها
بعد انتهاء الجولة التفقدية، قدم الدكتور إسماعيل يوسف، الأمين العام للجمعية الجغرافية المصرية، عرضاً تفصيلياً حول تاريخ الجمعية ومقتنياتها، موضحاً أن الطابق الأرضي من المبنى التاريخي يضم عدداً من القاعات المتخصصة التي توثق جوانب مختلفة من التراث الجغرافي والثقافي، من بينها المتحف الإثنوغرافي، الذي يضم قسماً للعادات والتقاليد وقسماً للمقتنيات الخديوية، وقاعة الخرائط والأطالس والكتالوجات، وقاعة دايوراما قناة السويس، وقاعات المقتنيات المرتبطة بأفريقيا وأعالي النيل والصناعات الحرفية، وممراً لمقتنيات الثقافة الشعبية، ومخزناً للدوريات والكتب إلى جانب غرفة الترميم والحفظ.
وأضاف الأمين العام أن الطابق العلوي يضم القاعة الملكية للاحتفالات، والمكتبة العامة، وقاعة المطالعة والتدريب وورش العمل، فضلاً عن المكاتب الإدارية. وأشار إلى أن الجمعية تحتفظ بثروة علمية وتاريخية فريدة، تتصدرها المكتبة التي تضم نحو 40 ألف مجلد من الكتب والمراجع الجغرافية والتاريخية والعلمية، إلى جانب مجموعة نادرة من المخطوطات العربية والإسلامية والوثائق التاريخية التي تعود إلى عصور مختلفة. كما تضم المكتبة ما يقرب من 13 ألف خريطة تاريخية وحديثة، فضلاً عن أكثر من 600 أطلس جغرافي نادر يوثق تطور المعرفة الجغرافية عبر العصور.
مقتنيات نادرة من مخطوطات وأدوات فلكية
أشار الدكتور إسماعيل يوسف إلى أن مقتنيات الجمعية تشمل أيضاً مجموعات متميزة من الصور الفوتوغرافية التي توثق بعثات الاستكشاف والرحلات العلمية التي نظمتها الجمعية أو شاركت فيها، فضلاً عن وثائق أصلية تتعلق بالاكتشافات الجغرافية والعلاقات بين الدول والمجتمعات، وعدد من الأدوات والأجهزة الفلكية والجغرافية التي استخدمت في أعمال القياس والمساحة وتحديد المواقع، ونماذج وخرائط مجسمة تُسهم في دراسة تطور شكل الأرض وتفاصيلها الجغرافية.
وتناول العرض ما تضمه الجمعية من مذكرات وتقارير أصلية لعدد من الرحالة والمستكشفين البارزين، مثل صموئيل بيكر وريتشارد بيرتون وغيرهم، ووثائق البعثات الاستكشافية التي أسهمت في استكشاف مناطق واسعة من أفريقيا والعالم. كما تضم الجمعية مجموعة نادرة من المخطوطات الجغرافية والإسلامية التي توثق إسهامات عدد من كبار العلماء المسلمين في مجال الجغرافيا، ومن بينهم الإدريسي والمقدسي، فضلاً عن خرائط تاريخية تعكس ما بلغته المعرفة الجغرافية من تقدم خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية. وتحتفظ الجمعية أيضاً بمجموعة من الكتب والمخطوطات المتخصصة في علم الفلك، والتي تتناول الجوانب الفلكية المرتبطة بالدراسات الجغرافية، بما في ذلك حركة النجوم وطرق تحديد الاتجاهات والمواقع.
دايوراما قناة السويس.. أقدم وسائل العرض التفاعلية
أوضح الدكتور إسماعيل يوسف أن الجمعية تمتلك كذلك مجموعات متنوعة من المقتنيات التراثية والأثرية، وواحدة من أكبر مجموعات الخرائط الإفريقية التي توثق مراحل تاريخية مختلفة، فضلاً عن دايوراما قناة السويس التي تُعد من أقدم وأندر وسائل العرض التفاعلية من هذا النوع. وأشار إلى أن الجمعية تواصل إصدار مجلتها العلمية منذ تأسيسها عام 1875، إلى جانب نشر تقارير الرحلات والبعثات العلمية، بما يعكس دورها الممتد في خدمة البحث العلمي ونشر المعرفة الجغرافية.
وأكد الأمين العام للجمعية أن هذه المقتنيات تمثل سجلاً علمياً وتاريخياً بالغ الأهمية، وتعكس تطور العلوم الجغرافية عبر العصور، كما تُعد مصدراً معرفياً مهماً للباحثين والمؤرخين والمهتمين بالجغرافيا والتاريخ، وتسهم في تعزيز مكانة الجمعية الجغرافية المصرية كواحدة من أبرز المؤسسات العلمية المتخصصة على المستويين الإقليمي والدولي.
إنجازات الجمعية على المستويين العلمي والمؤسسي
استعرض الدكتور محمد زكي السديمي، رئيس مجلس إدارة الجمعية الجغرافية المصرية، عدداً من أبرز إنجازات الجمعية على المستويين العلمي والمؤسسي، مشيراً إلى أن الجمعية تُعد عضواً مؤسساً في الاتحاد الجغرافي الدولي منذ عام 1923، كما استضافت أول مؤتمر جغرافي دولي يُعقد خارج الدول الغربية عام 1925 برعاية جلالة الملك فؤاد الأول، وحافظت منذ ذلك الحين على حضورها الفاعل داخل المنظمات والاتحادات الجغرافية الدولية.
وأشار إلى أن الجمعية واصلت خلال السنوات الأخيرة تعزيز دورها العلمي والبحثي، إذ نظمت العديد من المؤتمرات والفعاليات المتخصصة، من بينها ورشة العمل الخاصة بالاستدامة الريفية بالتعاون مع الاتحاد الجغرافي الدولي وجامعة المنوفية عام 2022، فضلاً عن المؤتمر الدولي التخصصي الذي عُقد تحت رعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال شهر أبريل 2025، بمشاركة 600 باحث وأكاديمي وأستاذ فخري، من بينهم 160 مشاركاً يمثلون 36 جنسية من مختلف دول العالم، وشهد عقد 40 جلسة علمية عُرض خلالها 300 بحث، إلى جانب تنظيم عدد من الرحلات العلمية المتخصصة.
توسيع الشراكات وبناء القدرات
أضاف رئيس مجلس الإدارة أن الجمعية نجحت في توسيع شبكة شراكاتها المؤسسية من خلال إبرام بروتوكولات تعاون ومذكرات تفاهم مع عدد من الوزارات والجهات الوطنية، من بينها وزارات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والثقافة، والآثار، والأوقاف، والقوى العاملة، فضلاً عن التعاون مع مبادرة "حياة كريمة"، إلى جانب شراكاتها مع عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية داخل مصر وخارجها.
كما أشار إلى أن الجمعية نظمت على مدار السنوات الماضية العديد من الفعاليات الثقافية والمعارض والندوات العلمية بالتعاون مع عدد من السفارات والمؤسسات الدولية والجامعات الأجنبية، كما أبرمت مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون مع عدد من الجمعيات الجغرافية العربية والدولية والجامعات المرموقة، بما أسهم في تعزيز حضورها الإقليمي والدولي وتبادل الخبرات العلمية والمعرفية.
وأوضح الدكتور محمد زكي السديمي أن الجمعية تولي اهتماماً كبيراً ببناء القدرات البشرية ونشر المعرفة الجغرافية الحديثة، من خلال تنظيم الدورات التدريبية المتخصصة في التقنيات الجيومكانية ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار من البعد، فضلاً عن المؤتمرات والملتقيات العلمية للمجموعات التخصصية في مجالات الجيومورفولوجيا والتقنيات الجغرافية والدراسات السكانية والتغيرات المناخية. وأضاف أن الجمعية نفذت العديد من الرحلات العلمية والدراسات الميدانية، ونظمت مسابقات علمية للباحثين وطلاب الدراسات العليا، كما حققت تقدماً ملحوظاً في مشروع رقمنة تراثها العلمي، حيث تم رقمنة أعداد مجلة الجمعية الصادرة منذ عام 1875 بما يزيد على 70 ألف صفحة، إلى جانب ترميم ورقمنة نحو 8 آلاف خريطة نادرة.
احتياجات الترميم والتطوير للمبنى التاريخي
تطرق رئيس مجلس إدارة الجمعية إلى احتياجات الترميم والتطوير الخاصة بالمبنى التاريخي للجمعية، إذ استعرض عدداً من التحديات الإنشائية والمعمارية الناتجة عن عوامل الزمن والرطوبة وتسربات المياه، والتي أثرت على بعض العناصر الإنشائية والزخرفية بالمبنى، بما في ذلك الأرضيات والأسقف والواجهات والعناصر الخشبية ذات القيمة التراثية. وأشار إلى أن هذه التحديات تفرض أهمية الإسراع بتنفيذ أعمال الترميم والحفاظ على المبنى، بما يضمن استدامته وحماية ما يضمه من مقتنيات ووثائق تاريخية وعلمية نادرة.
وتناول "السديمي" كذلك جهود وخطط الجمعية لترميم مقتنياتها ومطبوعاتها وفق أحدث المعايير العلمية والمتحفية، بما يشمل أعمال الصيانة والحفظ والترميم المتخصص للمخطوطات والكتب النادرة والخرائط التاريخية والمقتنيات التراثية المتنوعة، إلى جانب رقمنة المجموعات الوثائقية والأرشيفية وإتاحتها إلكترونياً لتوسيع نطاق الاستفادة منها. وأشار إلى استمرار التنسيق مع عدد من الجهات المصرية والدولية لدراسة متطلبات المشروع وتقدير تكلفته، تمهيداً لتوفير التمويل اللازم لتنفيذه، بما يسهم في إعادة تأهيل المكتبات وقاعات العرض والمتاحف التابعة للجمعية وفق أحدث النظم والتقنيات المعمول بها عالمياً.



