على الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فإن تداعيات هذا الصراع لا تظهر علامات على التراجع السريع. وفقًا لتحليل نشره الباحثان إيان بريمر وفراس مقصود في مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فإن الحرب التي استمرت عدة أشهر لم تحقق الأهداف التي سعت إليها واشنطن، بل ساهمت في تسريع تحولات جيوسياسية عميقة داخل الشرق الأوسط وخارجه.
إخفاقات الحرب
يرى الكاتبان أن الولايات المتحدة لم تنجح في معالجة الملفات الرئيسية التي بررت الحرب، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء والوكلاء التي تمتلكها طهران في المنطقة. كما بقي النظام الإيراني قائمًا رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة التي تعرض لها.
تراجع الثقة في واشنطن
أحد أبرز نتائج الحرب، وفق التحليل، كان تراجع ثقة حلفاء الولايات المتحدة في قدرتها على لعب دور الضامن الرئيسي للاستقرار الإقليمي. التقلبات التي رافقت الصراع وعدم وضوح أهدافه النهائية دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل وشراكات جديدة تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلالية. ويشير التقرير إلى أن دول المنطقة بدأت بالفعل في إعادة ترتيب تحالفاتها، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية التي هيمنت على الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.
الصين المستفيد الأكبر
ويرى الكاتبان أن الصين قد تكون الرابح الأكبر من التحولات الحالية. بكين لا تسعى إلى الحلول محل الولايات المتحدة كضامن أمني للمنطقة، لكنها تستفيد من تراجع الثقة في واشنطن لتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. تتمتع الصين بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية، ما يمنحها فرصة للعب دور الوسيط في النزاعات وتعزيز حضورها في مجالات التجارة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. كما يشير التحليل إلى أن بكين قد تستفيد من أي جهود مستقبلية لخفض التوتر بين إيران ودول الخليج، مستندة إلى نجاحها السابق في رعاية استئناف العلاقات بين الرياض وطهران عام 2023.
انعكاسات عالمية
لا يقتصر تأثير هذه التحولات على الشرق الأوسط وحده، إذ يرى الباحثان أن دولًا في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية بدأت بدورها في إعادة تقييم مدى الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك أمني واقتصادي طويل الأمد. ففي أوروبا تتزايد الدعوات إلى تعزيز الاستقلال الدفاعي، بينما تبحث دول آسيوية عن خيارات أمنية أكثر تنوعًا، في وقت تتوسع فيه العلاقات الاقتصادية مع الصين بوتيرة متسارعة.
شرق أوسط جديد
كما أكدا أن الحرب الإيرانية لم تنه أزمة إقليمية فحسب، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة، وتراجع الهيمنة الأمريكية، وصعود قوى إقليمية ودولية جديدة. وبحسب الكاتبين، فإن الشرق الأوسط يتجه نحو واقع أكثر استقطابًا وتنافسًا، حيث تتراجع فعالية المؤسسات التقليدية، وتبرز تحالفات جديدة، فيما تواصل الصين تعزيز نفوذها دون تحمل أعباء القيادة الأمنية التي لطالما اضطلعت بها الولايات المتحدة.



