فرنسا بين صعود اليمين المتطرف واحتمالات قلب المعادلة السياسية قبل انتخابات 2027
فرنسا بين صعود اليمين المتطرف وانتخابات 2027

تحت سماء باريس الرمادية، التي تمتزج مع أسطحها المعدنية، لم يكن هناك اتفاق على الكثير. ومع ذلك، وقبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية 2027، يبدو أن الفرنسيين وصلوا إلى نتيجة مشتركة بأن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف سيصل إلى قصر الإليزيه للمرة الأولى.

اليمين المتطرف أقرب إلى السلطة من أي وقت مضى

في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان"، يقول محلل الشؤون السياسية في مؤسسة الاستشارات الاستراتيجية والاقتصادية العالمية جوزيف دو ويك: من المؤكد أن اليمين المتطرف في فرنسا لم يكن أقرب إلى السلطة مما هو عليه الآن. فبحسب استطلاعات الرأي، فإن مرشح "التجمع الوطني" -سواء مارين لوبان أو جوردان بارديلا- قد يفوز في جميع جولات الإعادة المحتملة، باستثناء مواجهة مع رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب.

ويضيف: لكن مع خضوع فيليب لتحقيقات تتعلق باتهامات فساد، ومع دخول عدد كبير من الطبقة السياسية في سباق رئاسي محتمل، لا يبدو من المؤكد أنه سيكون مرشح اليمين المعتدل، أو حتى أنه سيصل إلى الجولة الثانية. كما أن الناخب الفرنسي بات أكثر ميلا نحو التيار اليميني خلال العقد الماضي، فيما يواجه اليسار المنقسم معركة صعبة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تحديات اليسار والوسط

يتابع دو ويك: كما حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة، يبقى السؤال الحاسم هو ما إذا كان ناخبو اليسار سيقبلون التصويت لمرشح الوسط في الجولة الثانية. وباعتباره عمدة مدينة لو هافر ذات الطابع العمالي، يحتفظ فيليب ببعض المصداقية لدى ناخبي اليسار، لكن كثيرين سئموا من خيار "الأقل سوءا"، والذي يفرض عليهم إبقاء يمين الوسط في السلطة.

الإحباط والاستسلام

بحسب المقال، لا يمانع بعض الناخبين غير المنتمين لليمين المتطرف وصول "التجمع الوطني"، بدافع الإحباط أو الرغبة في الصدمة السياسية. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الأمر سوى استسلام. فبعض الفرنسيين يشبهون شخصا يسمع باستمرار عن لص في الحي، ثم يضع في النهاية صندوق المجوهرات أمام الباب من شدة الإرهاق. وربما تختار فرنسا بحلول العام المقبل ترك السلطة لليمين المتطرف لتتخلص من حالة القلق المستمرة.

دروس من التاريخ

لكن دو ويك يرى أن دروس التاريخ قد يكون لها رأي مخالف، مضيفا: هناك درسان من التاريخ يجب رصدهما، الأول أنه نادرا ما تأتي الانتخابات الرئاسية الفرنسية كما يتوقعها المحللون قبل عام من موعدها. والأمثلة كثيرة؛ إذ لم يكن أحد يتوقع فوز فرنسوا هولاند عام 2012، كما لم يتوقع كثيرون صعود إيمانويل ماكرون ذاته في عام 2017. وبالتالي، فإن النتيجة لم تحسم بعد، والسباق لا يزال مفتوحا.

أما الدرس الثاني فهو أكثر تعقيدا بحسب دو ويك؛ ويتمثل في أن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي يظهر فيها ما يمكن تسميته بظاهرة "الناخب الخجول من اليمين المتطرف بشكل عكسي"، إذ تميل استطلاعات الرأي إلى المبالغة في تقدير دعم "التجمع الوطني" في الجولات الحاسمة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

استقرار نسبي رغم القلق

يقول دو ويك: عادة ما يتردد الناخبون الفرنسيون في الإعلان عن دعمهم لليمين المتطرف، لكنهم في غرف التصويت يعودون إلى اختيار مرشحي الوضع القائم. ورغم القلق الواضح من المستقبل، يظهر الفرنسيون قدرا كبيرا من الرضا عن حياتهم الحالية؛ إذ أظهر استطلاع حديث أن 75% منهم يشعرون بالسعادة. كما أن نحو 60% من الفرنسيين يمتلكون مساكنهم، ما يعكس مجتمعا مستقرا نسبيا من الناحية الاقتصادية.

ويرى الكاتب أنه على الرغم من أن فرنسا ما زالت تميل إلى المغامرات السياسية الكبرى، إلا أن "إرث الثورة حاضر في كل دورة احتجاجية، لكنها في تاريخ الجمهورية الخامسة لم تنتخب برنامجا جذريا سوى مرة واحدة، مع فرنسوا ميتران عام 1981".

الأسوأ لم يأت بعد

ويضيف: اليوم، يبقى "التجمع الوطني" القوة الأكثر جذرية من حيث احتمال الوصول إلى الحكم، وهو ما يثير مخاوف من نوع مختلف من "الثورة"؛ ومع اقتراب حملة 2027، ومن المفيد تذكر مقولة الشاعر بول كلوديل بأن "الأسوأ ليس مؤكدا دائما".

ففرنسا، رغم ميلها إلى التشاؤم، تمتلك أيضا تقليدا عميقا من الإرادة والطموح السياسي، وهو ما جعلها مهد شعارات الحرية والمساواة والإخاء. وهذه الثنائية هي ما يبقيها دولة سياسية نابضة بالحياة، وفي الوقت نفسه غير محكومة بنتيجة واحدة مسبقا، بحسب دو ويك.