يسعى هذا التحليل إلى تقديم مقاربة جديدة تحمل عنوان "جامعة الدول العربية (+3)"، والتي تضم تركيا وإيران وباكستان، كنموذج أمني وسياسي مستمد من الداخل الإقليمي، في مواجهة المشاريع الخارجية التي حاولت فرض ترتيبات أمنية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية على حساب المصلحة العربية. كما تبرز الدراسة كيف أن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حروب إسرائيلية وأمريكية مباشرة ضد إيران، جعلت من الضروري الانتقال من التنسيق الفردي إلى إنشاء "قوس توازن" مؤسسي يجمع الثقل العربي بالقدرات النوعية للدول الثلاث المجاورة.
أولاً: النظام الإقليمي العربي
وُلد النظام الإقليمي العربي بتعبيراته المؤسسية في بيئة عالمية وإقليمية شديدة التطور والقسوة، مما انعكس على طبيعة العلاقات داخله، خاصة بين الدول العربية الرئيسية. إذ اتسمت هذه العلاقات في أغلب الأوقات بالتوتر والتقلب والصراع المستتر بدلاً من الانسجام والاستقرار والتحالف. ويمكن القول إن هذا النظام وُلد وهو يعاني من أزمات. لكن النظام الإقليمي العربي، الذي كان يتمحور حول قضية فلسطين كقضية مركزية، أصيب بالتشظي بعد اجتياح القوات العراقية للكويت عام 1990 وحرب الخليج الثانية عام 1991، التي شطرت الإجماع العربي طولياً وأسهمت في إدخال المنطقة ضمن تحالفات ومشاريع خارجية تزامنت مع انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة. ومع ذلك، احتاجت المنطقة والنظام الإقليمي العربي لثلاثة عقود للوصول إلى قناعات جديدة بدأت تتبلور نتيجة الأحداث الجسيمة التي تشهدها المنطقة حالياً.
ثانياً: مشاريع الهيمنة: الشرق الأوسط الكبير والجديد
بعد مراحل متعددة من التطبيع بين العرب وإسرائيل، وعلى مدى عقدين من الصراعات العربية البينية وتراجع العمل العربي المشترك، تعرضت المنطقة لعدوان إسرائيلي طال غزة ولبنان وأجزاء أخرى من سوريا، مع احتلال ووجود أمريكي في أجزاء من الدول العربية عبر قواعد عسكرية في قطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان والإمارات والعراق ودول أخرى. رافقت ذلك مشاريع هندسة سياسية خارجية، أبرزها: مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 2004 الذي ركز على "الديمقراطية المفروضة" لتفكيك البنى التقليدية للدول الوطنية ودمجها في منظومة إقليمية قائمة على المنافع الاقتصادية المتبادلة بعيداً عن الروابط الأيديولوجية والعقائدية. ومشروع الشرق الأوسط الجديد عام 2006 الذي روّجت له كونداليزا رايس خلال حرب تموز، وسعى لخلق بيئة أمنية تضمن التفوق الإسرائيلي المطلق ودمج إسرائيل كقائد إقليمي، ويمكن تحقيقه عبر "الفوضى الخلاقة". أما "صفقة القرن" والاتفاقات الإبراهيمية عام 2020 فتمثل ذروة مشاريع التصفية، حيث استهدفت القفز فوق القضية الفلسطينية وتحويل إسرائيل من كيان محتل إلى مركز ثقل إقليمي مدمج في منظومة دفاعية وأمنية تستثني القوى الكبرى مثل إيران وتركيا وباكستان، مما أدى لتعميق الانقسام الطولي في بنية المنطقة وتحالف دول المنطقة منفردة مع إسرائيل أو مع دول خارج المنطقة لتحقيق أهداف أمنية أو استراتيجية.
ثالثاً: الحروب غير المبررة بعد 7 أكتوبر
اهتزت أسس التحالفات الهشة التي كانت تراهن على إسرائيل كشريك تنموي يعزز الاستقرار في المنطقة بعد أحداث السابع من أكتوبر. فقد لعب السلوك العدواني الإسرائيلي في غزة دوراً في عودة الشارع العربي لتبني قضية فلسطين كقضية محورية للشعوب العربية. وساهم اتساع نطاق السلوك الإسرائيلي في الإقليم في توسيع منطق "الضربات الوقائية" ورفع سقف الردع والعمل عبر أكثر من ساحة، مما أنتج شعوراً متزايداً بالتهديد لدى القوى الإقليمية الكبرى الأخرى. وتغيرت تصورات هذه القوى لمستقبل التعامل مع إسرائيل، إذ أخذت تقرأ أي تمدد في حرية الحركة الإسرائيلية كعامل يضغط على هوامش نفوذها ويقلص قدرتها على المناورة في ملفات الأمن والممرات والاقتصاد والشرعية الإقليمية.
رابعاً: الحاجة إلى مقاربة جديدة
إن انتقال مشهد الصراع في المنطقة من التنافس السياسي إلى المواجهات العسكرية المباشرة والشاملة، والمتمثلة في الحرب الإسرائيلية الممنهجة ضد غزة ولبنان والصدام المباشر وغير المسبوق بين الحلف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، وجه الضربة القاضية لأوهام الاستقرار التي روّجت لها مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" والاتفاقات الإبراهيمية. إذ كشفت هذه الحروب عن هشاشة بنيوية في النظام الإقليمي الحالي، الذي بُني على رمال متحركة من الترتيبات الأمنية المستوردة والمظلات الدفاعية الخارجية. وقد أثبتت الوقائع الميدانية أن "صفقة القرن" وما تبعها من محاولات دمج قسري لإسرائيل لم تكن سوى محاولة لوضع المنطقة في إطار أمني هش سرعان ما انهار أمام أول اختبار حقيقي للقوة. إن استهداف العمق اللبناني والإيراني والدمار الشامل في غزة لا يعكس فقط رغبة إسرائيل في استعادة الردع المفقود، بل يؤكد فشل المنظومة الدولية والإقليمية في ضبط التوازنات، الأمر الذي أدى إلى انكشاف استراتيجي للدول العربية وبالخصوص دول الخليج. هذا الفراغ الأمني والهيكل الإقليمي المتداعي يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمن الإقليمي لا يمكن استيراده أو استجداؤه عبر اتفاقات هشة تعزل القوى الفاعلة في الجوار، مما يعجّل بالدعوة إلى إيجاد مقاربة جديدة تضمن الاتفاق على توازن ونظام إقليمي جيد يستند إلى الحكمة، لا يخرج من التجربة ورد الفعل. لذلك تتفق أغلب دول الشرق الأوسط على وجود تحديات مشتركة نابعة من غياب نظام إقليمي يواكب المرحلة الأصعب التي يمر بها العالم والمنطقة بشكل خاص. إذ يرى هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، أن "الدبلوماسية باتت أكثر أهمية مع تراجع النظام الدولي"، ويحذر من أن "انهيار القواعد العالمية يُجبر الدول على الاعتماد بشكل أكبر على التنسيق لتجنب الصراع" لأن "النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب الباردة بدأ يضعف بعد عام 2010"، ويرى فيدان أننا نشهد مرحلة "انهيار حر" تتطلب من الدول إعادة تقييم الحوكمة العالمية، لذلك علينا "بدلاً من التعلم من الأخطاء، أن نبدأ بالتعلم من الحكمة".
خامساً: مقاربة الجامعة العربية + 3 (قوس التوازن المؤسسي)
لا تنفصل هذه المقاربة عن التراكم الفكري العربي، فمبادرة السيد عمرو موسى (الأمين العام الأسبق للجامعة العربية) في قمة سرت عام 2010 حول "رابطة دول الجوار العربي" كانت المحاولة الرسمية الأولى لمأسسة العلاقة مع تركيا وإيران. وفي كلمته أمام القادة في شرم الشيخ، تحدث عمرو موسى عن "الفراغ الاستراتيجي" في المنطقة، وقال صراحة: "إن الأمن في منطقة الشرق الأوسط لم يعد شأناً عربياً خالصاً، بل هو شأن إقليمي يتطلب صياغة تفاهمات مع جيراننا المباشرين، وتحديداً تركيا وإيران، لضمان عدم تحوّل المنطقة إلى ساحة للصراعات الدولية أو الهيمنة المنفردة". كان الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية يرى أن "النظام الإقليمي العربي" بصيغته القديمة لم يعد كافياً لحماية المصالح العربية. لذا، طرح في شرم الشيخ فكرة أن تكون هناك "رابطة" أو "نظام أمن جماعي" يضم هؤلاء الجيران بصفة مراقبين أو شركاء، وذلك لقطع الطريق على مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي كان يسعى لإدماج إسرائيل كمركز ثقل إقليمي. لكن من الغريب أن السيد عمرو موسى تبنى رؤية مختلفة لما تم طرحه في مواقف وتصريحات لاحقة بخصوص توحّد العرب وتنسيق مواقفهم تجاه التدخلات الإقليمية، وهو ما يتقاطع مع سياق حديثه عن العلاقات الاستراتيجية مع دول الجوار مثل تركيا وإيران التي طرحها في مشاريع سابقة. ويبدو أن هذا الاختلاف في المواقف جاء نتيجة تعقيدات الصراع الإقليمي، الذي وصل اليوم إلى وضع لا يمكن معه الاستسلام للمشاريع الخارجية أو انتظار مشاريع أو مبادرات أخرى من الولايات المتحدة وإسرائيل. انطلاقاً من الحاجة إلى مقاربة عربية إسلامية تحقق معادلة التوازن الاستراتيجي مع المشاريع الخارجية التي تحاول إسرائيل فرضها بالأمر الواقع والقوة، تطرح المقاربة بديلاً يجمع بين الشرعية العربية والقوة الإقليمية. وتنطلق المقاربة التي نطرحها من جامعة الدول العربية، كتنظيم إقليمي وكتلة تمثل العمق الجغرافي والسياسي والموارد الاقتصادية والرمزية الإسلامية، مع دول العمق الإسلامي الثلاث: تركيا وإيران وباكستان، لتأسيس "جامعة الدول العربية +3". وبذلك يمكن للجامعة العربية أن تواكب التحديات الخارجية وأن تعيد الاعتبار للنظام الإقليمي وأن تتبنى مشروعاً يخرج من داخل الإقليم لا يُفرض من خارجه. حيث يمكن أن تمثل تركيا (الثقل الأطلسي والصناعي)، وإيران (العمق الجيوسياسي)، وباكستان (العمق النووي والآسيوي). وبتحوّل النظام الإقليمي العربي من نظام شرق أوسطي يتعاطى بصورة سلبية مع المشاريع الغامضة والتوسعية، سيكون أمام مقاربة عربية إسلامية أكثر فاعلية وتأثيراً من منظمة المؤتمر الإسلامي منفردة ومن جامعة الدول العربية منفردة، لأن هذه الهياكل باتت غير قادرة على مواكبة التحديات الراهنة. كما أن "جامعة الدول العربية +3" سيحقق تكامل القوة والردع وسيحقق التوازن الاستراتيجي ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في منطقة المتوسط وجنوب آسيا وشمال أفريقيا. وهذا الدمج يخلق "قوس توازن" لا يمكن تجاوزه، ويفرض نداً قوياً للمشروع الغربي الصهيوني في المنطقة.
سادساً: أركان المقاربة البديلة وتحدياتها
تتوزع الأدوار في هذه الاستراتيجية وفقاً لـ: محور الردع الاستراتيجي ويمثله الثلاثي (تركيا، إيران، باكستان) لتوفير مظلة حماية أمام التهديدات النووية والتقنية الإسرائيلية. محور العمق والمشروعية وتمثله الجامعة العربية، وبالأخص مصر والسعودية والعراق، لتوفير الغطاء السياسي والاقتصادي لهذا التكتل. محور الإسناد وتمثله باقي الدول العربية التي تسعى إلى إرساء نظام إقليمي يحفظ لها مصالحها مع الحفاظ على هويتها ودورها ومكانتها الإقليمية والدولية.
التحديات التي تواجه مقاربة قوس التوازن
هناك الكثير من التحديات التي تواجه هذه المقاربة الاستراتيجية، لا سيما التحديات الخارجية من الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن أيضاً هناك تحديات داخل الإقليم، أبرزها: التنافس التركي الإيراني في بعض الملفات مثل سوريا والقوقاز. الضغوط الاقتصادية والالتزامات الدولية كعضوية تركيا في الناتو وعلاقات باكستان بواشنطن. الحساسيات الطائفية والأيديولوجية التي قد تعيق مأسسة هذا القوس. غياب الثقة بين بعض الدول العربية مع دول قوس التوازن مثل إيران وتركيا وباكستان. تضارب مصالح الدول العربية مع ما يمكن أن تحققه هذه المقاربة، حيث إن هناك دولاً عربية تتمتع بعلاقات خاصة مع دول القوس، وهناك دول عربية لا تتمتع بعلاقات طيبة معها.
الخاتمة
إن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" كان يهدف لإلغاء الهوية العربية الإسلامية لصالح هوية "شرق أوسطية" تقودها إسرائيل. في المقابل، تأتي استراتيجية "جامعة الدول العربية + 3" لتعيد الاعتبار للجغرافيا والتاريخ، معتبرة أن أمن القاهرة والرياض وبغداد مرتبط عضوياً بأمن أنقرة وطهران وإسلام آباد. تخلص الورقة إلى أن "قوس التوازن" يمثل ضرورة جيوسياسية وليس مجرد خيار سياسي، لأن نجاح هذا القوس في التحول من "تفاهمات غير معلنة" إلى "إطار تعاون مؤسسي" سيعيد رسم خارطة القوى في الشرق الأوسط، ويخلق حالة من الردع المتبادل التي تضمن حماية المصالح الحيوية للدول الإسلامية الكبرى وتحد من الاستفراد الإسرائيلي بالمنطقة.



