أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الدكتور أشرف العزازي أن ثورة 30 يونيو مثلت لحظة فارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، إذ لم تقتصر أهميتها على تصحيح المسار السياسي وحماية مؤسسات الدولة الوطنية، بل امتدت لتشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية واستعادة دورها الحضاري والتنويري، بعد فترة شهدت محاولات لاختطاف الوعي الوطني وإعادة تشكيل الشخصية المصرية بعيداً عن طبيعتها التاريخية المتسامحة والمتنوعة.
الهوية الثقافية المصرية وقوة الدولة
وقال العزازي – في حديث لوكالة أنباء الشرق الأوسط - إن الهوية الثقافية المصرية تعد أحد أهم مقومات قوة الدولة عبر تاريخها الطويل، فهي نتاج حضارة ممتدة لآلاف السنين تفاعلت خلالها روافد متعددة صنعت الشخصية المصرية المتفردة، القائمة على الاعتدال والانفتاح وقبول التنوع واحترام الإبداع والعلم والمعرفة، مشيرا إلى أن المصريين أدركوا خلال السنوات التي سبقت ثورة 30 يونيو حجم المخاطر التي كانت تهدد هذه الهوية الراسخة.
محاولات إقصاء التنوع الفكري
وأضاف أن الثقافة المصرية تعرضت آنذاك لمحاولات ممنهجة لإقصاء التنوع الفكري والثقافي الذي تميزت به مصر عبر تاريخها، وهو ما أثار قلق المثقفين والمبدعين والمفكرين الذين شعروا بمسؤوليتهم الوطنية تجاه حماية الوعي العام والحفاظ على طبيعة الدولة المصرية المدنية، مؤكداً أن المثقفين كانوا في مقدمة القوى الوطنية التي تنبهت مبكراً لحجم التحديات التي تواجه الثقافة الوطنية.
انتصار قيم التعددية والمواطنة
وأشار إلى أن خروج ملايين المصريين في 30 يونيو عكس وعيا حضاريا عميقاً لدى الشعب المصري، الذي أدرك أن الحفاظ على الدولة الوطنية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحفاظ على هويتها الثقافية، مؤكداً أن الثورة كانت في جوهرها انتصاراً لقيم التعددية والمواطنة والاعتدال، وهي القيم التي شكلت أساس الشخصية المصرية عبر العصور.
اهتمام الدولة بالثقافة بعد 30 يونيو
وأكد العزازي أن الدولة المصرية بعد 30 يونيو أولت اهتماماً كبيراً بالثقافة باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز بناء الجمهورية الجديدة، وإحدى الأدوات الرئيسية في تعزيز الوعي الوطني وترسيخ قيم الانتماء ومواجهة الفكر المتطرف، لافتاً إلى أن السنوات الماضية شهدت حراكاً ثقافياً واسعاً على مستوى المؤسسات والأنشطة والمبادرات الهادفة إلى نشر المعرفة وتوسيع قاعدة المشاركة الثقافية.
القوة الناعمة المصرية ودعم التنمية
وقال إن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة يعكس إيمان الدولة بأهمية القوة الناعمة المصرية ودورها في دعم مشروع التنمية الشاملة، موضحاً أن الثقافة لم تعد نشاطا نخبويا محدودا، وإنما أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية بناء الإنسان المصري، من خلال إتاحة الخدمات الثقافية لمختلف فئات المجتمع والوصول بها إلى القرى والمناطق الحدودية والأكثر احتياجاً.
تطوير البنية التحتية الثقافية
وأضاف أن الجمهورية الجديدة شهدت اهتماماً غير مسبوق بالبنية التحتية الثقافية وتطوير المؤسسات المعنية بالإبداع والفنون والآداب، إلى جانب إطلاق العديد من المبادرات التي تستهدف اكتشاف المواهب الشابة ورعاية المبدعين وتعزيز المشاركة المجتمعية في العمل الثقافي، بما يسهم في بناء أجيال جديدة أكثر وعياً بتاريخها وهويتها الوطنية.
التوازن بين الحداثة والخصوصية
وأوضح أن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يعني الانغلاق أو رفض التطور، بل يتطلب القدرة على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات العالمية مع التمسك بالثوابت الوطنية والحضارية، مؤكداً أن مصر نجحت بعد ثورة 30 يونيو في تحقيق هذا التوازن من خلال دعم قيم الحداثة والتنوير مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية والحضارية.
دور المجلس الأعلى للثقافة
وأشار إلى أن المجلس الأعلى للثقافة يعمل بصورة مستمرة على تعزيز الحوار الفكري والرؤى الثقافية، إيماناً بأن التنوع يمثل مصدر قوة للمجتمع المصري، في إطار من الاحترام المتبادل والانتماء للوطن.
المثقف المصري شريك في بناء الوعي
وأكد أن ثورة 30 يونيو أعادت الاعتبار لدور المثقف المصري بوصفه شريكاً في معركة بناء الوعي وصون الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن الثقافة كانت وستظل أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة المصرية في مواجهة التحديات الفكرية والأيديولوجية المختلفة.
بناء الإنسان أساس بناء الدول
وقال إن التجربة المصرية أثبتت أن بناء الدول لا يتحقق فقط عبر المشروعات الاقتصادية أو خطط التنمية، وإنما يعتمد بالدرجة نفسها على بناء الإنسان وصياغة وعيه وتعزيز انتمائه الوطني، وهو ما جعل الثقافة تحتل موقعاً متقدماً ضمن أولويات الدولة خلال السنوات الماضية.
30 يونيو علامة مضيئة في تاريخ مصر
وأوضح أن ثورة 30 يونيو ستظل علامة مضيئة في تاريخ مصر الحديث، لأنها أعادت للشعب المصري ثقته في قدرته على حماية دولته وهويته الحضارية، ورسخت مكانة الثقافة كأحد أهم عناصر القوة الوطنية، مشدداً على أن الهوية المصرية بما تحمله من قيم التنوع والتسامح والإبداع ستبقى دائماً الضمانة الأساسية لاستمرار الدولة الوطنية وقدرتها على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.



