حرب إيران تكشف فجوة كبيرة بين أمريكا وأوروبا.. واشنطن تطالب بتقاسم الأعباء
حرب إيران تكشف فجوة كبيرة بين أمريكا وأوروبا

في ظل التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي، كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن ملامح فجوة متنامية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي. فمع امتناع بعض الدول الأوروبية عن تقديم الدعم لواشنطن خلال هذا الصراع، برزت تساؤلات جدية حول مستقبل تماسك التحالف الغربي وقدرته على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

اختبار حقيقي لجاهزية أوروبا

وفي هذا السياق، يسلط تقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي الضوء على التداعيات الاستراتيجية لهذه الحرب، معتبرا أنها تمثل اختبارا حقيقيا لمدى جاهزية أوروبا عسكريا وصناعيا، وقدرتها على استيعاب دروس الصراعات الحديثة، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة من روسيا، والحاجة الملحة لإعادة صياغة علاقتها الدفاعية مع الولايات المتحدة.

وشدد التقرير على أن تلك الفجوة تضع أوروبا أمام العديد من التحديات التي باتت عليها مواجهتها مستقبلا، مضيفا: "لقد كان لدى أوروبا الأطلسية مقعد في الصف الأول لمتابعة حربَي أوكرانيا وإيران، وهما صراعان يجمعان بين الجوانب التقليدية والحديثة لساحة المعركة المعاصرة. ينبغي على حلفاء أمريكا الانتباه.. إن تطبيق الدروس المستفادة من هذين الصراعين سيكون أفضل وسيلة لتعزيز قواتهم ومنع أزمة غير مرغوبة مع أخطر جيرانهم، روسيا".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إعادة ضبط العلاقات الأوروبية مع واشنطن

وبحسب التقرير، الذي أعده كل من الخبير السابق في البحرية الأمريكية والمتخصص في الأمن السيبراني مارك مونتجومري وبيتر دوران الباحث في الجغرافيا السياسية، فإن الحرب كشفت ضرورة أن تمتلك أوروبا أنظمة وذخائر متكاملة بشكل جيد، وأن يكون لديها الاستعداد للقتال.

ويقول الخبيران: "تعاني أوروبا من ضعف القاعدة الصناعية الدفاعية؛ وتحتاج إلى أنظمة اعتراض متقدمة مثل 'باتريوت' و'ثاد' لإيقاف الصواريخ؛ وتحتاج أيضا إلى مخزونات كبيرة من أنظمة منخفضة التكلفة لمكافحة الطائرات المسيرة؛ حيث أدى النقص في الذخائر الأساسية مع بداية الصراع الروسي الأوكراني، مثل قذائف المدفعية، سواء في أوكرانيا أو في أوروبا وأمريكا عموما، إلى تعريض الدفاعات الأوكرانية للخطر. وعلى المستويين المتقدم والبسيط، تبدو ترسانات أوروبا شبه فارغة، وقد تم نقل الكثير مما كان موجودا قبل أربع سنوات إلى أوكرانيا، لكن غياب قاعدة صناعية دفاعية قوية جعل عملية التعويض بطيئة"، في إشارة إلى حاجة أوروبا لإعادة ضبط العلاقات مع واشنطن.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

رفض أوروبي يثير حفيظة ترامب

ويقول الخبيران: "تضطر الدول منخفضة الإنفاق إلى شراء المعدات من حليف واحد هو الولايات المتحدة، التي لا تزال تستثمر في الدفاع وتدعم قاعدتها الصناعية. وعلى مدى ثلاثة عقود من ضعف الاستثمار في المعدات والمخزونات العسكرية، تبدو القاعدة الصناعية الدفاعية الحالية في أوروبا غير كافية لتعويض ترسانة أمريكا. وقد يتطلب سد هذه الفجوة إنفاقا يصل إلى تريليون دولار، وهو رقم يفوق بكثير المليارات التي تخطط دول الناتو الأوروبية لإنفاقها في السنوات المقبلة".

يضيف الخبيران: "كشفت الحرب على إيران أهمية تعزيز قدرات قوات الاستجابة الأولى؛ حيث يستغرق نقل الأصول العسكرية من منطقة إلى أخرى وقتا خلال الأزمات. فالسفن وأنظمة الدفاع الجوي الأرضية تحتاج إلى أسابيع للانتقال والانتشار. وبعد نحو شهرين من الحرب مع إيران، لا تزال القوات الأمريكية البرية والبحرية تتحرك نحو مسرح العمليات في الشرق الأوسط. وفي السياق الأوروبي، قد ينتهي أي 'تصعيد مفاجئ' في منطقة البلطيق خلال وقت أقل من ذلك. ويعد 'لواء ليتوانيا' الألماني وانتشارات أوروبية مماثلة خطوة أولى جيدة، لكن رغم الضجة الإعلامية، لن يصل هذا اللواء إلى جاهزيته الكاملة قبل عام 2027".

التكيف مع توجهات ترامب

ويشير التقرير إلى أن "الاعتماد الأوروبي الكبير على الجاهزية القتالية الأمريكية في بولندا ودول البلطيق يستوجب أن تتبنى أوروبا نبرة أكثر توافقا مع الولايات المتحدة. ورغم عدم وجود مبرر لتراجع أمريكا عن استثماراتها الفعالة في القوات المنتشرة مسبقا، فإن فريق الرئيس دونالد ترامب قد يتجاهل هذا المنطق ويبدأ في تقليص هذا الوجود".

ويقول الخبيران الأمريكيان: "إذا لم تعمل أوروبا على التكيف بشكل أكبر مع توجهات ترامب، فعلى الحلفاء أن يكونوا مستعدين لتحمل المزيد من المسؤولية، وبسرعة. وهذا يعني الالتزام بإنفاق دفاعي أساسي يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، بدلا من 3.5% بحلول 2035".

مواقف فرنسا وإيطاليا وأسبانيا تثير حفيظة ترامب

ويضيف التقرير: "هنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للانقسام التي يجب على الأمريكيين والأوروبيين حلها. إعلان برلين أن عملية الغضب الملحمي 'ليست حربنا' لم يفاجئ واشنطن. لكن رفض فرنسا وإيطاليا وإسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية كان أمرا مختلفا. وكما قال وزير الخارجية ماركو روبيو، لا ينبغي أن يكون الناتو طريقا في اتجاه واحد، مضيفا: 'عندما نحتاج إلى استخدام قواعدهم العسكرية، يكون الرد لا؟ فلماذا نحن في الناتو إذن؟'".

والإجابة الواضحة عن سؤال روبيو هي أن عضوية الولايات المتحدة في الناتو تهدف إلى ردع روسيا عن مهاجمة المزيد من الدول الأوروبية. فبدون الولايات المتحدة، يصبح الناتو حصنا فارغا، وتصبح المصالح المشتركة في الحفاظ على استقرار أوروبا مهددة، بحسب "ذا ناشيونال إنترست".

ويختتم الخبيران الأمريكيان مقالهما بالقول: "لا شك أن المزيد من الدروس ستستخلص من الحرب ضد الجمهورية الإسلامية. إن تحديد ما ينجح وما يحتاج إلى إصلاح لن يعني 'خوض الحرب الماضية'، بل سيساعد الولايات المتحدة وأوروبا على منع الحرب القادمة".