يشهد بحر الصين الجنوبي تحولًا متسارعًا إلى أخطر بؤرة توتر محتملة بين الولايات المتحدة والصين، في ظل تصاعد الاحتكاكات العسكرية وتآكل آليات إدارة الأزمات، مما يرفع احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
وفقًا لتحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، تظل تايوان الشرارة الأكثر ترجيحًا لأي صراع محتمل بين واشنطن وبكين، لكن بحر الصين الجنوبي يمثل الساحة الأكثر هشاشة وتعقيدًا، ومنه نقطة الانطلاق، نظرًا لتعدد أطراف النزاع وتشابك المطالبات الإقليمية. فالصين تطالب بما يقارب 90% من مساحة هذا الممر البحري الحيوي، بما في ذلك مناطق متنازع عليها مع الفلبين وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا وبروناي وتايوان، بينما ترفض هذه الدول تلك الادعاءات، مستندة إلى القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
المواجهات في بحر الصين الجنوبي.. منحى أكثر حدة
خلال السنوات الأخيرة، اتخذت المواجهات منحى أكثر حدة، خاصة بين بكين ومانيلا (عاصمة الفلبين)، حيث تم توثيق حوادث متكررة لاعتراض سفن فلبينية داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، شملت صدمات بحرية واستخدام خراطيم المياه وأدوات حادة في بعض الاشتباكات، مما أدى إلى إصابات بين البحارة وتصاعد التوتر السياسي. وفي المقابل، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة عبر دوريات بحرية وجوية، مؤكدة التزامها بحرية الملاحة ودعم حلفائها، وعلى رأسهم الفلبين.
اتفاقية الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والفلبين
يكمن أحد أبرز عوامل التصعيد في أن التزامات واشنطن الدفاعية تجاه الفلبين قد تجعل أي حادث محدود يتحول سريعًا إلى أزمة دولية. فرغم أن معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين لا تشير صراحة إلى بحر الصين الجنوبي، فإن التفسيرات الأمريكية الأخيرة وسعت نطاقها ليشمل المنطقة، مما يعني أن استهداف القوات أو السفن الفلبينية قد يستدعي ردًا أمريكيًا مباشرًا.
في المقابل، تتفاقم خطورة الموقف بسبب ضعف قنوات الاتصال بين الطرفين. فآليات التواصل العسكري بين واشنطن وبكين محدودة وغير مستقرة، وغالبًا ما تتعطل أثناء الأزمات، بينما تعاني الخطوط الساخنة بين الصين ودول جنوب شرق آسيا من عدم الفاعلية. هذا الغياب لقنوات إدارة التصعيد يزيد من احتمالات سوء الفهم أو التقدير الخاطئ لأي احتكاك ميداني.
خلافات حول الإطار القانوني لبحر الصين الجنوبي
يفتقر بحر الصين الجنوبي إلى إطار قانوني وسياسي مستقر لإدارة النزاعات، على عكس مضيق تايوان الذي تحكمه تفاهمات غير رسمية ساعدت على احتواء التوتر لعقود. أما في بحر الصين الجنوبي، فلا تزال محاولات التوصل إلى اتفاق مكتوب أو إطار من القواعد والمبادئ بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا متعثرة، بسبب خلافات جوهرية حول السيادة وتفسير قواعد القانون الدولي.
في ظل هذا الوضع، تتقاطع العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، إذ تسعى الصين إلى تعزيز حضورها العسكري في الجزر المتنازع عليها، بينما تعمل الولايات المتحدة على تعزيز شراكاتها الدفاعية مع دول المنطقة، في إطار استراتيجية تهدف إلى ردع بكين والحفاظ على حرية الملاحة. ورغم أن جميع الأطراف تبدو حريصة على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة، فإن تزايد الحوادث البحرية، وغياب قنوات اتصال فعالة، وتوسع الأنشطة العسكرية في منطقة شديدة الحساسية، يجعل من بحر الصين الجنوبي واحدة من أكثر النقاط قابلية للاشتعال في النظام الدولي الراهن.
ويشير محللون إلى أن استقرار المنطقة سيتوقف على قدرتين أساسيتين: تعزيز الردع المتوازن بين القوى الكبرى، وبناء آليات دبلوماسية واضحة لإدارة الأزمات. وفي غياب ذلك، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، حتى دون رغبة مباشرة من أي طرف في الدخول في حرب مفتوحة.



