عقدة العقوبات الاقتصادية ضد إيران.. أمريكا تفرضها لكنها لا تعرف كيف ترفعها
عقدة العقوبات الاقتصادية ضد إيران.. أمريكا تفرضها ولا تعرف رفعها

يسرا زهران تكتب: عقدة العقوبات الاقتصادية ضد إيران.. أمريكا تفرضها لكنها لا تعرف كيف ترفعها (الحلقة الرابعة)

كتب: محرر 08:21 م | الأحد 26 أبريل 2026

يسرا زهران تكتب: عقدة العقوبات الاقتصادية ضد إيران.. أمريكا تفرضها لكنها لا تعرف كيف ترفعها (الحلقة الرابعة)

أمريكا إسرائيل إيران الصين

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كل الرؤساء الأمريكان السابقين قبل الرئيس «دونالد ترامب»، منذ عهد «ريتشارد نيكسون» وحتى «جو بايدن»، كانوا يريدون تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران التي تُحكم قبضتها على مضيق «هرمز». كلهم كانوا يدركون خطورة ذلك الممر الملاحي الذي يمر خُمس إنتاج النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال من خلاله، وكلهم أيضاً كانوا يدركون أن أسعار النفط العالمي ليست لعبة، وأن إيران تملك ورقة ضغط حقيقية فيها، وأن اقتصادها ليس اقتصاداً معزولاً مثل كوريا الشمالية، لا يهم أين تضربه ولا كيف ولا متى. دائماً ما كان النفط الإيراني حاضراً في كل مرة تثير فيها «طهران» المتاعب لـ«واشنطن». ثقله وتأثيره في أعصاب الاقتصاد العالمي الحديث لا يمكن الاستخفاف به مهما بلغ ثقل ظل القادة الإيرانيين على قلب الأمريكان.

من أجل ذلك، ظهرت أنواع جديدة من الحروب والضغوط الاقتصادية التي طوَّرت «واشنطن» أساليبها منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، ووصلت إلى ذروتها في عهد الرئيس الأسبق «باراك أوباما» ضد إيران، وحققت نجاحاً نسبياً بتوقيع الاتفاق النووي معها عام 2015، والذي قبلت إيران بموجبه إخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية، واعتبره «أوباما» وقتها انتصاراً دبلوماسياً من دون الدخول في حرب أو مواجهة عسكرية مع «طهران».

أشياء كثيرة تغيرت منذ توقيع الاتفاق النووي، منذ أن جلس الإيرانيون على طاولة مفاوضات واحدة مع الجانب الأمريكي. ما لم يتغير هو انعدام الثقة المتبادل بين الجانبين. تأتي المفاوضات هذه المرة بينما الولايات المتحدة تشن حرباً عسكرية ضد إيران، لكنها لا تعرف كيف تستمر فيها، لتظهر من جديد أسلحة الحرب الاقتصادية التي تجاهلها «ترامب» في بداية العملية العسكرية التي أطلقها مع إسرائيل لضرب إيران، وتتحول عملية «الغضب الملحمي» إلى «الغضب الاقتصادي» بهدف توقيع عقوبات اقتصادية لحرمان إيران من عائدات بيع نفطها، أو معاقبة الأطراف التي تسعى لكسر الحصار البحري الأمريكي، والاقتصادي في جوهره، على الموانئ الإيرانية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إلا أنه على ما يبدو لن يكون من السهل إعادة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات بعد أن أخرجت «واشنطن» أسلحة العقوبات الاقتصادية. إن قراءة التاريخ تكشف أن هذا التلاعب بالسطوة التي تمتلكها أمريكا على الاقتصاد العالمي الحديث، وتلويحها بفرض عقوبات لا على إيران فقط، وإنما على كل الأطراف التي تتعامل معها، سواءً كانت بنوكاً أو مؤسسات دولية أو أفراداً داخل شبكات متعددة الجنسيات، هي مغامرة غير مأمونة العواقب ولا النجاح. والأهم أن الإيرانيين يعرفون جيداً أن «واشنطن» ربما تعرف كيف تفرض حصاراً أو عقوبات اقتصادية، وتعرف كيف تزرع الخوف من مخاطر التعامل مع «طهران» لدى شركائها الدوليين، لكنها لا تعرف، لو تم التوصل لاتفاق يرضيها مع الجانب الإيراني، كيف تعيد الطمأنينة لمن خوَّفتهم، ولا كيف تعوِّض الاقتصاد الإيراني عن الخسائر التي تكبَّدها خلال فترة الحصار والعقوبات والمواجهة.

هذه التجربة الإيرانية المريرة مع العقوبات الاقتصادية التي تعرف أمريكا كيف تفرضها دون أن تعرف كيف تمحو آثارها، كشفت عنها قراءة كتاب شديد الأهمية، حمل عنوان «نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحروب الاقتصادية». كان مؤلفه، الدبلوماسي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة «كولومبيا» وخبير الاقتصاد الأمريكي «إدوارد فيشمان»، هو أحد الذين تابعوا عن كثب كواليس الحروب الاقتصادية الأمريكية، وعملوا في فرق وزارة الخزانة والخارجية الأمريكية التي تولت مهمة فرض حصار وعقوبات اقتصادية على إيران. بالتالي كان يعرف جيداً ما هي الحسابات والمخاطر التي يواجهها صانع القرار الأمريكي عند تفكيره في فرض عقوبات على إيران ومَن يتعامل معها، وما هي الحدود التي «لا بد» أن يقف عندها لو لم يُرد أن يجر اقتصاد الولايات المتحدة نفسه إلى الخراب من جراء معاقبة إيران.

يصف «فيشمان» في كتابه ذلك الدور المتبادل الذي يلعبه التدخل العسكري مع الحصار الاقتصادي قائلاً: «إن التصور التقليدي في أمريكا هو أن العقوبات الاقتصادية لا تنجح إلا في ٥٪ من الحالات. معظم صُناع السياسة الخارجية في «واشنطن» كانوا يرون أن العقوبات أقرب إلى تحرك رمزي، وليست بديلاً جدياً للحرب. كانت العقوبات تُعتبر طريقة لإظهار عدم الرضا، خطوة أعلى من مجرد إصدار بيان شديد اللهجة. كان القادة في أمريكا يستخدمون العقوبات كي يرسلوا رسالة بأن هناك شيئاً ما خطأ، ولكن من دون المخاطرة بإهدار الدماء أو الأموال في محاولة لوقفه».

«عندما وقف «جورج دبليو بوش» عام 2004 قائلاً إنه لا يمكن فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على «طهران»، و«إننا نعاقب أنفسنا بإضاعة نفوذنا في إيران ونترك المجال لأطراف أخرى للاستفادة منها»، كان يعبر عن وجهة النظر الغالبة بأن الأحمق وحده هو من يعتمد على سلاح العقوبات لتحجيم الطموحات النووية الإيرانية. وبالفعل، فحتى قبل توقيع الاتفاق النووي في عهد «باراك أوباما»، والذي كان يُعتبر نجاحاً دبلوماسياً لم يسبق له مثيل، فإن العقوبات وحدها لم تكن هي التي قامت بالعمل كله. تعاونت الولايات المتحدة مع إسرائيل لإطلاق هجمات إلكترونية ضد البنية التحتية النووية الإيرانية، وتعرَّض العديد من العلماء الإيرانيين في مجال الطاقة النووية للاغتيال في محاولات يقف وراءها الموساد الإسرائيلي كما تردد، وظلت الولايات المتحدة وإسرائيل تلوِّحان بالهجوم العسكري ضد إيران، بالإضافة إلى الحرب الاقتصادية ضدها لو أن «طهران» واصلت سعيها لامتلاك القنبلة النووية. كل هذا كان له أثر على الحسابات الإيرانية. لكن كل هذه كانت مجرد أساليب لكسب الوقت، ولم توقف طموح إيران النووي».

ويتابع الكتاب: «كان النجاح في فرض العقوبات الاقتصادية على إيران يتطلب أولاً إعادة تشكيل نفسية البنوك والمؤسسات المالية العالمية والحكومات حول العالم، بحيث تقتنع أن تكلفة خرق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لا تساوي المكاسب التي يمكنها الحصول عليها من استمرار شراء النفط الإيراني. كانت الولايات المتحدة قد توقفت بالفعل عن شراء النفط الإيراني، وكانت دول الاتحاد الأوروبي في طريقها للقيام بالمثل. لكن لم يكن أحد من شركاء إيران الكبار، وعلى رأسهم الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا، على استعداد لفرض أي حصار اقتصادي على النفط الإيراني، وكان لا بد من إقناعهم».

ثم ينتقل كتاب «فيشمان» للحديث عن معضلة النفط الإيراني التي تعقد حسابات الاقتصاد في «واشنطن» قائلاً: «إن النفط بالتحديد عصب محوري في الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن فرض أي عقوبات تتعلق به لم يكن أبداً أمراً هيناً. في التسعينات، احتاج تنفيذ حظر تصدير النفط من العراق إلى دعم كامل من الأمم المتحدة وإلى حصار بحري متواصل بقيادة البحرية الأمريكية. كانت المحاولة الأمريكية الجديدة في عهد «أوباما» تسعى لفرض حصار على النفط الإيراني لا من خلال منع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية ولكن من خلال مراقبة قنوات الدفع التي تصل إلى البنك المركزي الإيراني. كان هذا هو استخدام الولايات المتحدة لنقاط الاختناق التي تُحكم سيطرتها عليها في النظام المالي العالمي حتى تجبر العالم كله على تقليل اعتماده على النفط الإيراني، وهو أمر لم يكن أحد قد قام به من قبل».

ويواصل: «عندما تصاعد ضغط اللوبي اليهودي على إدارة «أوباما» لتحجيم طموح إيران النووي، قررت الإدارة الأمريكية بحث هذا الاحتمال. ما الذي يمكن أن يحدث لو أن الولايات المتحدة قد استخدمت نقاط الاختناق التي تمتلكها في النظام المالي العالمي لفرض نوع من الحصار الاقتصادي على «طهران» ومعاقبة كل من يقوم بالتعامل المالي معها، وما هو تأثير أي عقوبات ضد البنك المركزي الإيراني على الاقتصاد العالمي. وتولى قسم الشئون الدولية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية تقييم الموقف. نادراً ما كانت العقوبات الاقتصادية قبل ذلك تهدد بإحداث تغيير في الأسواق العالمية، أو بالتسبب في صدمة اقتصادية واسعة المدى، لكن في حالة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، كانت «واشنطن» تواجه خطر الارتفاع الجنوني في أسعار النفط العالمي، وحتى مواجهة حالة من الركود داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه».

«لم تساعد النتائج التي توصلت إليها وزارة الخزانة الأمريكية في تهدئة هذه المخاوف. كانت توقعات خبرائها أن أية عقوبات تُفرض على البنك المركزي الإيراني يمكن أن تجعل أسعار النفط العالمي تصل إلى حدود خيالية، في ذلك الوقت إلى ما هو أكثر من 200 دولار للبرميل الواحد، أما الولايات المتحدة نفسها فستواجه مشكلات أخرى مثل التضخم والبطالة وانخفاض معدل النمو. في الوقت نفسه، لم يكن من الواضح إلى أي مدى يمكن أن تتسبب هذه العقوبات في أي ضرر بالنسبة لإيران. كان من الممكن أن تستفيد «طهران» من ذلك الارتفاع الخرافي في أسعار النفط بحيث تحقق أرباحاً أكثر من عائداته حتى لو كان تبيعه بكميات أقل».

ويتابع كتاب «فيشمان»: «وأمام تقرير وزارة الخزانة الأمريكية، قرر البيت الأبيض أن يعارض ويواجه ضغوط الكونجرس التي تطالب بفرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني. لكن كانت هناك مسألة شائكة هنا: لو أن الكلام قد انتشر حول قناعة الولايات المتحدة بأن فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني يمكن أن يتسبب في ركود مؤلم داخل أمريكا نفسها، فمن الممكن أن يكشف ذلك لإيران أن هناك خطوطاً حمراء تخشى «واشنطن» تجاوزها. أما إسرائيل من جانبها، فستصل إلى نتيجة أن الولايات المتحدة لا ترغب في اللجوء إلى عقوبات مؤثرة، بالتالي فمن الممكن أن يصدر «بنيامين نتنياهو» أوامره لجيشه بقصف منشآت إيران النووية».

قرير سري لوزارة الخزانة في عهد «أوباما»: العقوبات الاقتصادية على النفط الإيراني ستتسبب في بطالة وركود في الاقتصاد الأمريكي

«كان إظهار نتائج تقرير وزارة الخزانة الأمريكية وإعلانه على الملأ أمراً يمكن أن يتسبب في انتكاسات خطيرة، بالتالي أصدر البيت الأبيض تعليماته لوزارتي الخارجية والخزانة بمعارضة مساعي «الكونجرس» لفرض عقوبات اقتصادية على إيران، ولكن بإرجاع هذه المعارضة إلى اعتبارات دبلوماسية وليس إلى مخاوف اقتصادية. كانت الحجة هنا هي أن توجيه ضربة ضد البنك المركزي الإيراني يمكن أن تسبب شرخاً في الوحدة التي شكلتها أمريكا مع أقرب حلفائها، ومنهم العديد من دول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية التي كانت تواصل شراء كميات كبيرة من النفط الإيراني وقتها، تصل إلى حوالي ٤٠٪ من عائدات النفط الإيراني. بالتالي فإن أية عقوبات اقتصادية أمريكية على البنك المركزي الإيراني كان من الممكن لها أن تُعقد من عمليات البيع والشراء التي يقوم بها الحلفاء بما يمكن أن يهدد أمن الطاقة لديهم. كان هذا التبرير من وجهة نظر البيت الأبيض يُحدث ضرراً أقل من إعلان ونشر التوقعات الكابوسية لوزارة الخزانة الأمريكية (حول الاقتصاد الأمريكي الداخلي في حالة فرض عقوبات اقتصادية على «طهران»). باختصار، كانت إدارة «أوباما» تعرف أنه لا بد من أن تكون هناك حدود للحرب الاقتصادية على إيران، لكنها لم تكن تريد الاعتراف بالأسباب الحقيقية لوضع هذه الحدود».

ويواصل: «من ناحية أخرى، كان بعض المسئولين في وزارة الخارجية الأمريكية يرون أن مسألة استهداف البنك المركزي لدولة ذات سيادة هي خط أحمر لا ينبغي للولايات المتحدة أبداً أن تتجاوزه. كان القيام بمثل هذا التصرف يعطي إشارة للعالم أن «واشنطن» ليس لديها مانع من تسييس وضع الدولار باعتباره عملة الاحتياطي العالمي، الأمر الذي يمكن أن يهدد هذا الوضع نفسه، بالإضافة إلى التأثير على سمعة أمريكا باعتبارها راعية للنظام المالي العالمي. إلا أن الأهم أن أي عقوبات اقتصادية تُفرض على البنك المركزي الإيراني يمكن لها أن تجعل من الصعب على المستوردين أن يدفعوا ثمن النفط الإيراني الذي يشترونه، مما سيجعل كميات ضخمة من هذا النفط تختفي من الأسواق العالمية، ما ينتج عنه قفزة كبيرة في أسعار النفط العالمي، يمكن لها أن تتسبب في أضرار للمستهلكين وأصحاب الأعمال الأمريكان. مثل هذه المخاوف هي التي توضح لماذا كانت العقوبات الأمريكية الأولى الموجهة ضد قطاع الطاقة الإيراني منذ منتصف التسعينات وحتى عام 2010، تستهدف الاستثمارات الأجنبية التي تسعى للتنقيب عن النفط في الأراضي الإيرانية أو استخراجه، وليست موجهة ضد عمليات شراء النفط الإيراني نفسها».

«فيشمان»: الإدارة الأمريكية قلقت من إدراك إيران لوجود خطوط حمراء لا تريد «واشنطن» تجاوزها

ويتابع «فيشمان»: «يقول أحد المسئولين الأمريكيين السابقين المسئولين عن هذا الملف، إنهم لم يكونوا قادرين على إيجاد وسيلة لاستهداف النفط الإيراني أو البنك المركزي في «طهران» من دون أن يكون هناك احتمال لإلحاق الضرر بأسواق النفط العالمية، مما يؤدي بالتالي إلى تراجع التعافي الاقتصادي من الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008. كان هناك خطر إضافي هنا أيضاً: ماذا لو أن بعض الشركات أو المؤسسات الدولية قررت ألا تلعب اللعبة الأمريكية وقررت الاستمرار في شراء النفط الإيراني ودفع مقابله للبنك المركزي هناك؟ لو أن الهند أو الصين مثلاً قررت عدم التجاوب مع العقوبات الأمريكية، إذن فسيجد الأمريكان أنفسهم أمام تحدٍّ حقيقي للهيمنة الأمريكية ومكانة الولايات المتحدة في العالم. في تلك اللحظة، سيكون على «واشنطن» أن تقرر ما إذا كانت ستمضي قُدماً في تنفيذ وعيدها، وتضرب الشركات الصينية والهندية بعقوبات بسبب شرائها للنفط الإيراني، بما قد يسبب توتراً في العلاقات مع «بكين» و«نيو دلهي»، من دون وجود أية ضمانات على أن هذه الشركات سوف تتوقف عن شراء النفط الإيراني في المستقبل بعد تطبيق هذه العقوبات عليها. هذا الأمر يمكن له أن يدمر التأثير والنفوذ النفسي الذي تمارسه العقوبات الأمريكية ضد إيران على الحكومات وقطاعات الأعمال حول العالم منذ إطلاقها».

ويواصل كتاب «فيشمان»: «كانت هناك نقطة تحوُّل محورية في هذا الملف، هو أن يأخذ العالم بجدية التهديد الأمريكي بالعقوبات ضد الأطراف التي تتعامل مع إيران. كانت حالة الفشل الكبرى عام ١٩٩٦ عندما حاول الكونجرس الأمريكي أن يجبر باقي الدول على عدم التعامل مع إيران فجاء بردة فعل عكسية من جانب أوروبا التي زادت من تعاونها الاقتصادي مع «طهران». وتراجع المسئولون الأمريكان عن مشروع قرار العقوبات الذي وصفه أحدهم بأنه «نمر بلا أنياب» في مواجهة إيران. إلا أن هذا الأمر تغيَّر في عهد إدارة «أوباما» التي صاغ المسئولون فيها الأمر في اختيار بسيط: إما أن تعمل الشركات الأجنبية مع الولايات المتحدة أو تعمل مع إيران، ولكن ليس مع الاثنتين معاً».

«على العكس من المتوقع، لم تتراجع كل الشركات الأجنبية عن التعامل مع إيران في الوقت الذي تمارس فيه نشاطاتها داخل الولايات المتحدة. بعضها حاول بالفعل القيام بالأمرين معاً، في تحدٍّ صارخ للعقوبات الأمريكية. وتلقت تلك الشركات الدولية عقوبات أمريكية بالفعل بسبب تعاونها مع إيران، لكنها اعتبرت أن الأسوأ قد مر بالفعل، ولا يوجد مانع إذن، بعد أن عاقبتها الولايات المتحدة بالفعل، من الاستمرار في القيام بنشاطاتها الاقتصادية مع طهران».

المؤسسات الصينية التي تعرضت للعقوبات الأمريكية نجحت في تجاوز الصدمة وزادت من تعاونها الاقتصادي بعدها مع إيران.. فأفقدت العقوبات تأثيرها النفسي

ويتابع: «تُعتبر الشركات الصينية هي المثال الأبرز للحالة السابقة. فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على مؤسسة وبنك صيني بسبب قيامهما بالتعامل مع إيران. لكن بمجرد أن تم فرض هذه العقوبات، نجحت هذه المؤسسات الصينية في امتصاص صدمة تكلفة العقوبات وزادت من نشاطاتها الاقتصادية مع الجانب الإيراني. كان هذا الأمر يعني بالنسبة لصُناع السياسة الاقتصادية الأمريكية أن التهديد بالعقوبات لا بد أن يكون قابلاً للتصديق حتى يكون التهديد به فعالاً، ولا يجرؤ أحد على تجاوزه في المقام الأول».

ثم يصل كتاب «فيشمان» إلى المعضلة الحقيقية في قضية العقوبات الاقتصادية ضد إيران قائلاً إنه: «مع تطور الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران في عهد «أوباما» بدأ هذا الأمر يتحقق. وأدى مزيج من الضغط السياسي والتبعات القانونية القاسية التي تفرضها أمريكا ضد من يقعون تحت طائلة العقوبات الثانوية بسبب التعامل مع إيران إلى إضعاف التعاون الاقتصادي الدولي معها بسبب حسابات زيادة المخاطر التي تؤثر في قرارات القطاع الخاص في العالم كله».

ويتابع: «لكن المثير للسخرية، أنه عندما وصل الأمر إلى رفع تلك العقوبات الاقتصادية عن إيران. فإن نقطة القوة التي كانت لدى الولايات المتحدة قد تحولت إلى نقطة ضعف. أصبحت البنوك والمؤسسات الدولية خائفة للغاية من تبعات التعامل مع إيران إلى الحد الذي فضَّلت فيه التراجع عن الانخراط مجدداً مع البلاد حتى بعد التوصل إلى الاتفاق النووي في عهد «أوباما». لقد نجحت «واشنطن» على نحو شديد الفاعلية والشراسة في إقناع البنوك والشركات بإنهاء التعامل مع إيران خوفاً من فرض عقوبات اقتصادية عليها. لكنها واجهت صعوبة شديدة في إقناع نفس تلك المؤسسات بالعودة للاستثمار في البلاد».

ويواصل: «كان الإيرانيون يأملون أنه بعد توقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، فإن الشركات الدولية سوف تتسابق لدخول السوق الإيرانية وانتزاع فرص الاستثمار فيه من المنافسين، إلا أن هذا لم يحدث. وفي الشهور الأولى من عام 2016 التي تلت توقيع الاتفاق النووي، ظل وزير الخارجية الإيراني وقتها «جواد ظريف» يضغط باستمرار على نظيره الأمريكي «جون كيري» قائلاً له إن إيران لم تحصد المنافع الاقتصادية التي كانت تسعى إليها من توقيع الاتفاق النووي. ورأى «كيري» أن هذا الأمر يمثل مشكلة كبيرة، فلو أن الاتفاق فشل في تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران، فسيتبخر أي تأييد يحظى به داخلها، وسيعطي مبرراً لأصحاب الجناح المتشدد الذين كانوا يرون أن التفاوض مع الأمريكيين هو فكرة سيئة منذ البداية، وربما حتى ستضاعف البلاد من طموحها النووي. كانت المسألة مقلقة إلى الحد الذي جعل وزارة الخزانة والخارجية الأمريكية تنطلق في مسار عجيب تنشر به للعالم رسالة مضادة للرسالة التي أطلقتها منذ سنوات، تقول إن إيران قد أصبحت مفتوحة من جديد لمن يريدون التعامل معها».

«كيري» حاول إقناع رؤساء البنوك الكبرى بالعودة للاستثمار في إيران فرفضوا وسألوه: ماذا لو أصبح «ترامب» هو الرئيس القادم؟

ويتابع: «في مايو من العام نفسه، تولى «كيري» هذا الملف بشكل شخصي، والتقى برؤساء البنوك الكبرى في «لندن»، ومنهم قيادات بنوك مثل «كريديت سويس» و«ستاندارد شارترد» و«إتش إس بي سي» و«دويتشه بنك»، وكلها بنوك تعرضت لعقوبات عنيفة بسبب خرقها للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران منذ عدة سنوات. حاول «كيري» تهدئة مخاوف تلك البنوك المتعلقة بإعادة التعاون والتعامل الاقتصادي مع إيران، إلا أن كلماته المطمئنة لم تلقَ آذاناً صاغية، ولم يبدُ أن وزير الخارجية الأمريكي وقتها قادر على حماية تلك البنوك من تلقِّي مزيد من العقوبات، ولا في إقناعهم بإعادة الدخول إلى السوق الإيرانية، ولم يكن لديه رد على سؤال رئيس أحد هذه البنوك عندما سأله: ما الذي يمكن أن يحدث لو أن «دونالد ترامب» أصبح هو الرئيس القادم للولايات المتحدة؟».

«لقد كان التصور هو أن الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران قد حققت نجاحاً يفوق الخيال بعد توقيع الاتفاق النووي معها. لكن خلال ذلك، أعادت الولايات المتحدة برمجة وترتيب النظام الاقتصادي العالمي كله، وبعد أن تم هذا الترتيب الجديد، لم تعد «واشنطن» نفسها قادرة على إعادته إلى ما كان عليه».

أمريكا إسرائيل إيران الصين

مواضيع متعلقة

ترامب: الحصار المفروض على إيران أثبت فاعلية مذهلة

محللة أمريكية: استمرار الحرب على إيران خسارة فادحة للعالم.. و«ترامب» يائس من تحقيق النصر

ترامب: أعتقد أن الحرب مع إيران ستنتهي قريبا جدا وسننتصر

ميسرة بكور: زيارة عراقجي إلى مسقط هدفها إثبات أن إيران لا تعرقل التفاوض مع واشنطن

آخر أخبار حرب إيران.. اتصال هاتفي بين ترامب وستارمر لمناقشة الملاحة بمضيق هرمز

أستاذ علوم سياسية: واشنطن لا تزال تمسك بزمام الردع رغم التوتر مع إيران

إيران تعلن احتجاز سفينتين مرتبطتين بإسرائيل.. حاولتا عبور مضيق هرمز خلسة

خبير دولي: الحرس الثوري يسعى لفرض هيمنته سياسيا بعد وجود فراغ في قيادات إيران العليا

الاكثر قراءة

عاجل| متحدث «الوزراء» يعلن استمرار العمل من المنزل يوم الأحد

عدد أيام إجازة عيد الأضحى 2026 في مصر.. أطول عطلة رسمية لهذا العام

ترامب: الحصار المفروض على إيران أثبت فاعلية مذهلة

أعلى فوائد شهادات الادخار في البنك الأهلي ومصر

5 فئات ممنوعة من حجز شقق الإسكان الاجتماعي 2026.. هل انت منهم؟

إنفوجراف

المزيد

إعلام فلسطيني: اشتباكات بين مقاومين وقوات الاحتلال بمخيم بلاطة شرق نابلس

ألوان

المزيد

في وقفة عرفة.. أطعمة ومشروبات تجنبها عند الإفطار اليوم

حاج يمني من ذوي الهمم: بكيت عند رؤيتي الكعبة والحج رحلة العمر

أبرز لقطات حفل زفاف محمد هاني وشقيقة زوجة حسام غالي «صور»

طفل «مبتور الأطراف» يلهو على شاطئ غزة.. «نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»

«مترميهاش بعد ما تشربها».. 5 استخدمات لن تتوقعها لبقايا القهوة

الوطن سبورت

المزيد

شرط مثير من زيزو للعودة إلى الزمالك

هل يغيب أحمد فتوح عن مباراة القمة أمام الأهلي؟.. مصدر يكشف التفاصيل

ليفربول يحتفل بعيد ميلاد محمد صلاح الـ32.. «الملك المصري»

تفاصيل عقد محمد هاني الجديد في الأهلي.. تعرف على راتبه (خاص)

مهاجم سويسرا المرشح للأهلي يسجل أول أهدافه الدولية أمام المجر

ترتيب الدوري بعد فوز الأهلي على فاركو وتفوق الزمالك على سيراميكا