في تطور يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الدفاعية والاستخباراتية الغربية، كشفت تحقيقات صحفية عن حصول شركة أوروبية كبرى، تعمل ضمن منظومة متعاقدي الدفاع المرتبطين بحلف شمال الأطلسي «الناتو»، على ترخيص لتقديم خدمات تشغيل واتصالات لعشرات الأقمار الصناعية الصينية، بعضها مرتبط بشكل وثيق بالبنية العسكرية لبكين، في خطوة أعادت فتح ملف التعاون التكنولوجي بين الغرب والصين في قطاع الفضاء شديد الحساسية.
تفاصيل التحقيق
وبحسب التحقيق الذي نشره موقع «ديفينس 24»، إحدى كبرى المنصات المتخصصة في شؤون الدفاع والأمن والسياسة الدولية، فقد حصلت شركة «كونجسبرج لخدمات الأقمار الصناعية»، وهي شركة نرويجية مملوكة جزئياً لشركة دفاعية ضمن منظومة «الناتو»، على ترخيص لتقديم خدمات اتصالات لأقمار صناعية تابعة لشركة «تشانج جوانج لتكنولوجيا الأقمار الصناعية»، وهي أكبر شركة صينية في قطاع الأقمار الصناعية التجارية، لكنها ترتبط وفق تقارير متعددة بمؤسسات عسكرية حكومية في الصين.
وتشير الوثائق التي اطلعت عليها جهات رقابية إلى أن التصريح الذي حصلت عليه الشركة النرويجية يتيح لها التعامل مع 42 قمراً صناعياً تابعاً للشركة الصينية، ضمن شبكة تشغيل تشمل محطات أرضية في القطب الشمالي، وتحديداً في أرخبيل «سفالبارد» النرويجي، وهو موقع استراتيجي بالغ الأهمية لمتابعة المدارات القطبية للأقمار الصناعية حول العالم.
القلق الغربي المتصاعد
وترى المنصة الإعلامية البولندية أن هذا التطور يأتي في ظل تصاعد القلق الغربي من الاستخدام المزدوج للتكنولوجيا الفضائية، لا سيما في سياق النزاعات العسكرية الجارية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتوترات في البحر الأحمر والصراع في الشرق الأوسط. كما تتزايد المخاوف من الدور المحتمل للشركات التجارية في توفير بيانات قد تُستخدم في العمليات العسكرية أو الاستطلاع الاستخباراتي.
وبحسب مصادر أمريكية نقلتها التحقيقات، فإن شركة «تشانج جوانج» الصينية يشتبه في أنها تقدم دعماً مباشراً لجماعة «الحوثيين» في اليمن، المدعومة من إيران، التي نفذت هجمات استهدفت مصالح أمريكية في المنطقة. كما أشارت واشنطن إلى أن الشركة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية الصينية، وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات عليها في ديسمبر 2023 بسبب تورطها في دعم البنية الصناعية العسكرية الروسية خلال الحرب في أوكرانيا.
ولم تكن العقوبات أمريكية فقط، إذ شملت أيضاً الاتحاد الأوروبي واليابان وسويسرا وأوكرانيا وتايوان، ما يعكس إجماعاً دولياً متزايداً على التعامل بحذر مع الأنشطة المرتبطة بهذه الشركة. ومع ذلك، تؤكد شركة «كونجسبرج» النرويجية أنها تعمل ضمن الأطر القانونية الدولية، وترفض التعليق على تفاصيل تعاقداتها، مشيرة إلى أن عقودها تتضمن بنوداً سرية تمنع الإفصاح عن العملاء الحاليين أو السابقين.
اتهامات بدعم موسكو والحوثيين
في المقابل، أثارت هذه العلاقات انتقادات حادة من خبراء في قطاع الاتصالات والأمن السيبراني. فقد وصف جون ستراند، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات اتصالات دنماركية، مجرد تقديم طلب لتشغيل أقمار صناعية صينية بأنه «أمر غير منطقي»، معتبراً أن توقيت الطلب، الذي تقدمت به الشركة النرويجية في عام 2023، يثير تساؤلات خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد الاصطفاف الجيوسياسي بين بكين وموسكو.
وأشار «ستراند» إلى أن الوثائق التنظيمية تُظهر أن الأقمار الصناعية المعنية تستخدم لأغراض تشمل الزراعة ورسم الخرائط والتخطيط العمراني، إلا أنه شكك في الطابع المدني الكامل لهذه الاستخدامات، معتبراً أن بعض هذه الأنشطة يمكن أن تُستخدم أيضاً لأغراض استخباراتية أو عسكرية، وذهب إلى حد اتهام الشركة النرويجية بأنها سعت فعلياً للحصول على ترخيص لتشغيل ما وصفه بـ«أقمار تجسس صينية».
طلبات تشغيل متكررة وتحقيقات تنظيمية
وتشير بيانات تنظيمية إلى أن شركة «كونجسبرج» تقدمت بطلبات تشغيل مرتبطة بالأقمار الصينية مرتين على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية، في 2021 و2023، على أن تمتد التراخيص حتى عام 2028، وفق ما أفادت به السلطات النرويجية. كما أوضحت الشركة أن مدة الترخيص لا تعني بالضرورة الاستخدام المستمر أو الكامل للخدمة طوال الفترة المحددة.
كما كشفت تقارير عن أن الشركة النرويجية تواجه أيضاً تحقيقات تنظيمية، بعد أن هددت هيئة الاتصالات النرويجية بفرض غرامة عليها بسبب ما وصف بـ«اتصالات غير مرخصة» مع خمسة أقمار صناعية، عبر محطاتها في «سفالبارد» وفي القارة القطبية الجنوبية، في تكرار لمخالفة سابقة خلال خمسة أشهر فقط.
حساسية الملكية والتبعية
وبحسب موقع «ديفينس 24»، تزداد حساسية القضية بالنظر إلى طبيعة ملكية الشركة النرويجية، إذ إنها مملوكة جزئياً لشركة «كونجسبرج للدفاع والفضاء»، إلى جانب ملكية حكومية نرويجية عبر شركة «سبايس نورواي»، كما ترتبط بعقود مهمة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تعاون في برامج دفاعية لصالح القوات الجوية الأمريكية.
ويرى محللون أن هذه التطورات تعكس تحولات أعمق في طبيعة الصراع الدولي، حيث أصبحت الفضاءات التجارية والعلمية جزءاً لا يتجزأ من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى. فالأقمار الصناعية لم تعد مجرد أدوات مدنية للاتصالات أو مراقبة الأرض، بل باتت عنصراً أساسياً في منظومات الاستطلاع العسكري وتوجيه العمليات وجمع المعلومات الحساسة.
دعوات لإعادة تقييم التعاون
في ظل هذا المشهد المعقد، تتصاعد الدعوات داخل أوروبا لإعادة تقييم أطر التعاون التكنولوجي مع الدول التي تصنف باعتبارها منافسة استراتيجية، مع التركيز على تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على شركاء قد يشكلون مخاطر أمنية محتملة. وبينما تنفي الشركات المعنية وجود أي خروقات أو تعاون غير قانوني، تبقى الأسئلة مطروحة حول حدود الفصل بين الاقتصاد والأمن، وحول مدى قدرة الدول الغربية على ضبط إيقاع تعاونها التكنولوجي في عصر أصبحت فيه الأقمار الصناعية جزءاً من معادلة القوة العالمية.
ويختتم الموقع الدفاعي تقريره بالقول إن هذه القضية تعكس التحديات المعقدة التي تواجهها الدول الغربية في موازنة المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، في عالم تتداخل فيه الحدود بين المدني والعسكري وتتصاعد فيه المنافسة على الموارد الاستراتيجية، بما في ذلك الفضاء الخارجي. ويبقى السؤال مفتوحاً: «هل يمكن تحقيق هذا التوازن دون التضحية بأحد الطرفين؟».



