في زمن تتلاطم فيه أمواج التغيرات الجيوسياسية، يصدر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب كتاباً يحمل عنوان "مثلث القوة: إعادة التوازن إلى النظام العالمي الجديد"، ليكون بمثابة منارة فكرية تنير الطريق في عالم يموج بالاضطرابات. الكتاب ليس مجرد تحليل سياسي جاف، بل هو تأمل عميق في طبيعة القوة والتوازن، مستلهماً روح التفاؤل التي تميز فنلندا، الدولة التي تُصنف باستمرار بين أسعد شعوب العالم.
يبدأ ستوب كتابه من لحظة تاريخية فارقة، حيث كان دونالد ترامب ينهي ولايته الرئاسية الأولى، لينتهي الكتاب مع بداية ولايته الثانية، مؤكداً أن هذه القفزة الزمنية وحدها تكشف حجم التحولات التي شهدها العالم. ويشير إلى أن التغيرات في السنوات الثلاث الأخيرة فاقت ما حدث في ثلاثين عاماً سابقة، مما يجعل محاولة فهم العالم أشبه بإصابة هدف متحرك.
مثلث القوة: إطار لفهم النظام العالمي الجديد
يطرح ستوب فكرة "مثلث القوة" كإطار تحليلي لفهم ديناميكيات العالم المعاصر. يتكون المثلث من ثلاثة أضلاع رئيسية: الغرب العالمي، الشرق العالمي، والجنوب العالمي. ويوضح أن هذه القوى ليست كتلاً جامدة، بل هي تجمعات تحمل قيماً ومصالح مشتركة رغم تنوعها الداخلي.
الغرب العالمي
يشمل الغرب العالمي الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاءهما الديمقراطيين مثل اليابان وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية. تمثل هذه المجموعة حوالي 15% من سكان العالم وأكثر من 50% من الاقتصاد العالمي، وهي تسعى للحفاظ على نظام عالمي متعدد الأطراف.
الشرق العالمي
يقوده الصين ويدعمه روسيا، بالإضافة إلى أنظمة سلطوية أصغر مثل بيلاروسيا وكوريا الشمالية وإيران. تشكل هذه الدول حوالي 20% من سكان العالم واقتصاده، وتسعى إلى إعادة كتابة النظام الدولي وفق قواعدها الخاصة.
الجنوب العالمي
يمثل الأغلبية العالمية، حيث يضم دولاً من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. تشكل هذه الدول نصف سكان العالم لكنها تمثل أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. من أبرز دوله الهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل والسعودية.
ويؤكد ستوب أن الجنوب العالمي يريد أقصى درجات الاستقلالية والمرونة، ولا يرغب في الانحياز لأي من القطبين، بل يريد أن يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل النظام العالمي الجديد.
الواقعية القائمة على القيم
يقدم ستوب مفهوماً جديداً للسياسة الخارجية أسماه "الواقعية القائمة على القيم"، وهو يدعو الغرب إلى التمسك بقيمه الليبرالية مع التعامل بتواضع واحترام مع الدول التي لا تشاركه هذه القيم. ويقول: "إن الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً يبدأ برؤية العالم كما هو، ثم تحديد الطريقة التي يمكننا بها التمسك بقيمنا مع العمل مع الآخرين".
ويضرب مثلاً بفنلندا، الدولة الصغيرة التي تستطيع التأثير من خلال لعب أوراقها بشكل صحيح، مؤكداً أن الدول الصغيرة ليست مجرد متفرجين في النظام العالمي الجديد، بل يمكنها أن تمتلك نفوذاً حقيقياً.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
يتوقع ستوب ثلاثة سيناريوهات للعقد القادم:
- سيناريو الفوضى: استمرار الوضع الحالي مع احترام انتقائي للقواعد الدولية، وقدرة محدودة على حل التحديات الكبرى.
- سيناريو الانهيار: تلاشي أسس النظام الدولي الليبرالي، واقتراب العالم من الفوضى مع ظهور أمراء الحرب والجهات غير الحكومية.
- سيناريو استعادة التوازن: نظام عالمي جديد يقوم على توزيع متوازن للقوى بين الشرق والغرب والجنوب، مع مجال للتعاون في قضايا المناخ والتكنولوجيا والأمن.
ويرى ستوب أن الجنوب العالمي سيكون له التصويت الفاصل في تحديد أي السيناريوهات سيسود، مشيراً إلى أن العوامل الديموغرافية والتاريخية والجغرافية تصب في صالح دول الجنوب الصاعدة.
دور فنلندا والدول الصغيرة
يختتم ستوب كتابه بالتأكيد على أن الدول الصغيرة ليست عاجزة عن التأثير، بل يمكنها أن تلعب دوراً مهماً من خلال سياستها الخارجية القائمة على المبادئ. ويقول: "إنني كقائد من دولة صغيرة أدرك أنني أستطيع اللعب في ساحة القيم والمصالح، لأن القوة التي أمتلكها محدودة، لكن التأثير ممكن".
ويشير إلى أن فنلندا تجسد نموذجاً ناجحاً للمجتمعات المنفتحة والحرة والعادلة، وهو نموذج يمكن أن يلهم العالم، لكن دون فرضه بالقوة.
في النهاية، يقدم كتاب "مثلث القوة" رؤية متوازنة وواقعية للنظام العالمي الجديد، تدعو إلى الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع، مع الحفاظ على القيم الأساسية للديمقراطية والحرية. إنه كتاب يهم كل من يسعى لفهم التحولات الكبرى في عالمنا المعاصر.



