حرص فو هوا، رئيس وكالة الأنباء الصينية شينخوا، على حضور فعاليات منتدى الجنوب العالمي رفيع المستوى لوسائل الإعلام ومراكز الفكر، الذي عقد صباح اليوم بالجلسة الافتتاحية في الجامعة العربية، بكلمة ألقاها السفير أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية.
ورغم أن الجلسة الافتتاحية حظيت برسائل مهمة حول فكرة التعاون بين دول الجنوب في مجال الإعلام والتطورات المذهلة التي تلاحق أدواته وتأثيره، وقدراته على طرح سرديات غريبة عن الجنوب وفرضها عليه بما يمتلك الشمال من أدوات ذات فعالية كبيرة ومهيمنة، إلا أن ما قاله السفير الصيني بالقاهرة، لياو ليتشيانغ، لفت الأنظار إلى أطروحة تغاير ما تقدمه الدول الكبرى في سياساتها الخارجية.
ثلاث عبارات مهمة قالها السفير الصيني أثناء حضورنا الجلسة الافتتاحية للمنتدى: أولها أن الصين لا تسعى إلى وكلاء لها في أي مكان في العالم، وثانيها أن الصين لا تخطط لمناطق نفوذ لها في أي مكان في العالم، وثالثها أن الصين ترى أن التعاون المشترك والحرص على السرديات الوطنية للدول يمكنه أن يخلق مناخاً مستداماً للعمل المشترك.
ولم يغفل السفير الصيني، ولا رئيس وكالة الأنباء الصينية شينخوا، ولا السفير أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية، أن أفكار التعاون التي طرحتها الصين، باعتبارها قوة اقتصادية لا يستهان بها، وصاحبة دور سياسي كبير على المستوى الدولي، ومن بينها طريق الحرير القديم، مروراً بمبادرة الحزام والطريق، وصولاً إلى منتدى التعاون العربي الصيني الذي أطلق في عام 2004، لا تمثل مجرد تقارب سياسي واقتصادي فحسب، بل هي نموذج ناجح لتعاون حضاري واستراتيجي يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، كما أكد على ذلك أبو الغيط.
في جلسات المنتدى التي تمتد إلى الغد، ويحضرها عدد كبير من الخبراء والإعلاميين والساسة العرب والصينيين، تطرح أفكار جديدة حول الإعلام العربي الصيني، أفكار بعيدة تماماً عن فكرة الهيمنة التي قادها الغرب على مدى عقود، وسيطر فيها على بحر المعلومات القادم من شمال الكرة الأرضية، ليفرض أجندته على الجنوب، مع إغفال وتجاهل للسيادة والسرديات الوطنية، حتى أصبحنا نعاني من الاغتراب داخل أوطاننا.
ويطرح المنتدى أفكاراً خلاقة حول تقاسم الفرص في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي، ودور وسائل الإعلام ومراكز الفكر في بناء السلام والتنمية القائمة على الابتكار، والرؤية الجديدة لما يمكن أن تقوم به مراكز الفكر في التعلم المتبادل بين الحضارات، بعيداً عن فكرة الصراع الحضاري.
تلك الأفكار وغيرها تعد نقطة ضوء أو شعاع نور، لما يمكن أن تقوم به دول الجنوب من إسهام حضاري يحافظ على الهوية ولا يقصيها أو ينال منها، وتفرض نموذجاً للحوار الحضاري القائم على فكرة الحضارة العالمية، التي كثيراً ما طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، ضمن أفكاره الداعية إلى التعاون واحترام الآخر، والاستفادة من التباين الحضاري أو الاختلاف الحضاري في بناء تعاون قادر على البقاء، وتحقيق الأهداف المرجوة دون هيمنة أو سيطرة من جانب على جانب آخر.
ولعل ما طرحه رئيس وكالة شينخوا فو هوا حول التعاون الذي استطاعت الوكالة بناءه مع مؤسسات إعلامية عربية كرقم، يفوق ما يمكن تصور أنه قد حدث بالفعل، خصوصاً وأن شينخوا واحدة من أكبر وكالات الأنباء في العالم، وتدير أكثر من 170 مكتباً لها في العالم، وتصدر عدداً من الصحف والمجلات يعد رقماً ضخماً بالقياس لما نراه حول العالم.
هذا التعاون الذي تحقق بالفعل يشي بأن المنطقة العربية قادرة على البناء في مجال التعاون الصيني العربي، في مجال الإعلام ومراكز الفكر، للحفاظ على سردية وطنية، تحفظ للجنوب حقوقه، وتمنحه مناعة ضد أفكار نعاني منها منذ عقود، بعد أن فرض الغير سردية تهدد الهوية الوطنية في المقام الأول.



