هل تمثل حرب إيران نهاية عصر الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل؟
حرب إيران ونهاية الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل

منذ تأسيس إسرائيل في المنطقة، كانت الدولة الاستثنائية الوحيدة للولايات المتحدة من حيث الدعم المطلق غير المشروط لبقائها وأمنها، مما جعلها فعليًا بمثابة الولاية الـ 51 الأمريكية. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في هذا الدعم، خاصة مع اندلاع الحرب الأمريكية على إيران في فبراير 2026.

بدايات التغير في الدعم الأمريكي

حتى مطلع الألفية الجديدة، كان الدعم المطلق لإسرائيل من المقدسات التي لا يُسمح بالمساس بها، وكان من المسائل القليلة ذات الإجماع بين المؤسسات الأمريكية، خاصة الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن منذ عام 2005، بدأت تظهر أصوات ناقدة داخل الحزب الديمقراطي، تستنكر بناء المستوطنات في الضفة الغربية وتشويه سمعة واشنطن كوسيط نزيه. تدريجيًا، توسعت دائرة الانتقادات لتشمل التساؤل عن جدوى الدعم المطلق، حيث تذهب مليارات الدولارات سنويًا لدولة غنية لا تخدم مصلحة أمريكية حيوية وتنتهك القانون الدولي.

تصاعد المعارضة النخبوية والشعبية

انطلقت أصوات تحذر من الخطر والعبء الشديد لإسرائيل على واشنطن، معتبرة أنها عائق أمام انسحاب أمريكي من منطقة لم تعد ذات أهمية استراتيجية كبيرة، ومفسدة لعلاقات ومصالح واشنطن في المنطقة والعالم الإسلامي. تزامنت هذه المعارضة النخبوية مع تزايد رقعة الرأي العام الأمريكي الرافض للدعم المطلق؛ ففي عام 2011، كشف استطلاع لمركز بيو أن 40% من الشباب الأمريكي، خاصة من الحزب الديمقراطي، يرفضون هذا الدعم.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة

على الرغم من صلابة الدعم الأمريكي لإسرائيل تحت وطأة القوة السياسية والمالية والإعلامية للوبيات الداعمة والكنيسة الإنجيلية، إلا أن التغيرات الداخلية والخارجية الكبيرة التي تشهدها الولايات المتحدة أدت إلى اهتزاز هذا الدعم. اجتماعيًا وسياسيًا وديموغرافيًا، لم تعد الولايات المتحدة كما كانت؛ مع زيادة الأقليات والمهاجرين، وتمرد الشباب على كلاسيكيات السياسة، وتنامي أيديولوجيات مثل الشعبوية والنسوية، وإحياء واسع لليسار. خارجيًا، تراجعت الهيمنة الأمريكية مع اقتصاد مترنح وتحدٍ صيني خطير، مما أثر على الدعم المطلق لإسرائيل من زوايا متعددة.

حرب غزة كمؤشر

تجلى ذلك بوضوح خلال حرب غزة، حيث شهد الكونغرس معارضة كبيرة لتزويد إسرائيل بالسلاح بسبب حرب الإبادة، وفرض عقوبات على مستوطنين يهود في الضفة، وتوترات مستمرة بين إدارة بايدن ونتنياهو، وتظاهرات طلابية غير مسبوقة في الجامعات الأمريكية، بالإضافة إلى استطلاعات رأي أظهرت زيادة الكراهية الشعبية لإسرائيل.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

حرب إيران ومعارضة غير مسبوقة

الحرب الأمريكية على إيران التي انطلقت في فبراير 2026 شهدت معارضة داخلية واسعة وشاملة، شملت حتى أقرب حلفاء ترامب في حركة ماجا والحزب الجمهوري. الرأي العام الأمريكي كان على يقين منذ الساعات الأولى أن الحرب لصالح إسرائيل ولا مصلحة أمريكية منها، وأن ذريعة تهديد إيران لأمن الولايات المتحدة لم تنطلِ على أحد. مع تفاقم الخسائر الأمريكية الاقتصادية والبشرية والسياسية، وتزايد التوتر مع الحلفاء وتشويه السمعة العالمية، تزايدت المعارضة والكراهية، وترسخ الاعتقاد بأن إسرائيل باتت عبئًا خطيرًا.

استطلاعات الرأي والتصويت في الكونغرس

استطلاعات الرأي أظهرت أن أكثر من 60% من الأمريكيين، خاصة الشباب، يرون أن الحرب كانت خطأً كبيرًا وأن إسرائيل غدت عبئًا بالغ الخطورة. داخل الحزب الديمقراطي، ظهرت جبهة غير مسبوقة رافضة للحرب واستمرار دعم إسرائيل بالسلاح، مما انعكس في تصويت الكونغرس في أبريل 2026 على رفض تمرير قرار لتزويد إسرائيل بأسلحة هجومية. داخل الحزب الجمهوري، ظهرت أصوات بارزة مثل توماس ماسي تندد بالدعم غير المشروط، وكان الانقسام داخل حركة ماجا الأكثر إثارة للانتباه، حيث صرح تاكر كارلسون، أبرز حلفاء ترامب، بأن الحرب ألحقت أضرارًا بالغة بأمريكا وأن إسرائيل عبء تام لا يقدم قيمة استراتيجية.

الخلاصة: نهاية عصر الدعم المطلق

يمكن الجزم بأن حرب إيران تدق المسمار الأخير في نعش الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل. كمية المعارضة للحرب ولإسرائيل كشفت بجلاء أنها باتت عبئًا خطيرًا لا يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في تحمله؛ عبء اقتصادي، وعبء أمام التحرر من الحروب الأبدية (عقيدة ترامب وماجا)، ومسبب للانقسام النخبوي والشعبي، وعبء أمام التفرغ لمواجهة التحدي الصيني، ومفسد لمصالح وعلاقات واشنطن في المنطقة. المشكلة أن هذا العبء يتزايد، وقد دفع واشنطن لحرب -ربما للمرة الأولى في تاريخها- ليس لها فيها أية مصلحة، في ظل سياق داخلي وخارجي مختلف تمامًا عن السابق.