محمد حسن الألفي: النسخة الأليفة من ترامب أمام التنين الصيني
النسخة الأليفة من ترامب أمام التنين الصيني

انتهت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، لكن التحليلات الاقتصادية والسياسية لم تنته بعد، حيث يظل السؤال حول من الرابح ومن الخاسر. ومع ذلك، يبقى التركيز طويلاً على الجانب النفسي من الزيارة وأسلوب التعامل في المقابلة الأولى بين رئيسين عملاقين.

ترامب وشي جين بينغ: مواجهة نفسية

اجتهد ترامب بكل جبروت وإيماءات لترسيخ مفهوم الهيمنة، مؤكداً أن بلاده لا تزال بلا منافس. في المقابل، ظهر شي جين بينغ هادئاً وقوراً واثقاً من قدرته على خلق إحساس بعدم الارتياح لدى ترامب، مؤكداً أن الصين تمضي بثبات لترسيخ توازن دولي يعيد ترتيب المكانات والنفوذ.

الجيونفسي: دلالات كاشفة

يمكن القول إن المشهد الجيونفسي كان ذا دلالات كاشفة وفاضحة لرؤية كل من الزعيمين للآخر ولنفسه وللدولة التي يمثلها. لم نتعرض للصفقات التجارية أو ملف تايوان أو حرص ترامب على التأكيد أنه لم يطلب أي عون من بكين للضغط على إيران لفتح مضيق هرمز، بل ركزنا على الطريقة التي تعامل بها الزعيم الصيني ونزع بها أظافر وأنياب المتنمر ترامب.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

النسخة المستأنسة من ترامب

يتحدث معلقون كثيرون في الإعلام الأمريكي عن النسخة المستأنسة من دوني (دونالد)، متسائلين: أين ذهب المتنمر؟ وكيف أخضعه التنين؟ وكيف صار ترامب أليفاً ودوداً مهذباً؟

البروتوكول: رسائل خفية

لم يذهب الزعيم الصيني إلى المطار لاستقبال ضيفه، رئيس أقوى دولة في الكوكب، بل انتظره في الساحة أمام سلالم قصر الشعب. هذا بالتأكيد متفق عليه وليس استهانة بالضيف، فترامب نفسه يستقبل زواره في البيت الأبيض وليس في المطار.

نزل ترامب من السيارة السوداء، فتح الباب لنفسه، هندم بدلته، وقفل الزراير. البدلة كحلي والكرافت أحمر، ولون ربطة العنق له دلالة عاطفية أو عدائية. في هذا اللقاء، اللون الأحمر دليل الدفء وربما دليل التحفز والقوة، بينما اللون السماوي لون التقبل والوداعة. في كل الصور والفيديوهات، نجد ألوان الربطات تغيرت مع شيوع الحفاوة والود المتبادل بين الرئيسين.

لغة الجسد: ترامب كالموظف أمام المدير

شد ترامب قامته وضرب جسم السيارة عند الفانوس الخلفي الأيسر مرتين، ثم استقام ومضى بخطوات ثابتة إلى حيث وقف الرئيس الصيني في مكانه لم يتقدم إليه خطوة واحدة! بدأ ترامب في هذا المشهد كأنه موظف يهندم ملبسه قبل أن يطرق الباب على مستخدمه، وعندما مثل أمامه كان وديعاً مطيعاً.

شي جين بينغ: العمود الذي لا ينحني

خطوة واحدة نحو ترامب لم يفعلها المضيف، ومد ذراعه اليمين فقط ليستقبل كف ترامب الذي شد على الكف الصيني. ملتمساً الود، عاد ترامب ليضع كفه مرة أخرى على كف تشي، الذي لم تتسع ابتسامته ملي واحد عما هو مطلوب ومكتوب، ولا حتى حرك ذراعه الأيسر، إنما تصلب كعمود لا ينحني!

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

هذه اللغة الجسدية منذ اللحظة الأولى حققت أهدافها ورسمت مسار التعامل بين الرجلين طيلة مدة الزيارة، سواء في لقاءات التفاوض الرسمية داخل الجدران أو في لقاءات التباحث تحت الشجر في الحديقة. يذكرنا ذلك بمفاوضات الحد من الأسلحة النووية أيام ريغان وبريجنيف، حيث كانت الوفود تختار التفاوض في الخلاء وسط الشجر تجنباً للتجسس المتبادل.

ترامب المتنمر يختفي

لم يستطع ترامب أن يتنمر كعادته مع خصومه وضيوفه، حيث يقهرهم نفسياً ويهيمن عليهم في أول طلعة كلام وسط فخ إعلامي منصوب داخل مكتبه. يبدأ بالثناء على ضيفه ثم يداهمه بطلب قاس أو تعبير غير مألوف بطريقة فجة. رأينا واستنكرنا ما فعله مع ضيفه الملك الأردني عبد الله، إذا كان فظاً ووقحاً وأربك ضيفه بشكل مؤسف. وفعلها مع زيلينسكي رئيس أوكرانيا، بل طرده من البيت الأبيض، وهو يفعلها مع زعماء أوروبا ويستهزئ بهم، ويضع ذراعه على كتف ماكرون ليشي له بأنه تحت هيمنته!

مع الصين: تأدب وكياسة

مع زعيم الصين، تأدب ترامب وتعامل بكياسة، وظل التنين الصيني وقوراً مبتسماً قدر الضرورة. يستضعف ترامب من يراه مزعزع النفس فيزلزله، لكن موقف الزعيم الصيني راسخ رسوخ قوة الاقتصاد الصيني ومكانة بكين الدولية. مع بكين، مع موسكو، مع بيونغ يانغ كوريا الشمالية، نرى فقط هذه النسخة المستأنسة الأليفة من التاجر السياسي دونالد ترامب.