وسط أجواء من الاحتفالات في بكين الأسبوع الماضي، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأمل في أن يدفع نظيره الصيني شي جين بينج إلى لعب دور الوسيط لإبرام اتفاق سلام بين واشنطن وطهران، إلا أن ذلك لم يتحقق. ورغم أن الصين، شأنها شأن معظم الدول باستثناء روسيا، تبدو معنية بإنهاء الحرب، فإن طهران لا تُظهر استعدادًا للتراجع، بل تميل إلى إدارة الصراع بمنطق حافة الهاوية، في وقت يعلن فيه خصمها التاريخي رغبته في التهدئة.
تكاليف متصاعدة وخسائر غير مسبوقة
وبحسب مقال كتبه رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»، رافي أجراوال، فإن المؤشرات على أن الحرب تلحق أضرارًا سياسية واقتصادية بترامب والولايات المتحدة والاقتصاد العالمي ككل تزداد، وهو ما يطرح تساؤلًا حول المآلات النهائية لهذا الصراع. وعلى الرغم من الضربات التي استهدفت إيران، بما في ذلك اغتيال قادة بارزين وتدمير أجزاء من قدراتها الجوية والبحرية وتقليص قدرتها الصاروخية، فإن النظام لم يسقط.
إيران تحتفظ بقدراتها
وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية، نقلتها وسائل إعلام، إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 70% من مخزونها الصاروخي قبل الحرب، إضافة إلى 70% من منصات الإطلاق المتحركة، مع قدرة تشغيلية تشمل أكثر من 90% من مواقعها الصاروخية على امتداد مضيق هرمز. وهو ما يعني استمرار قدرتها على تهديد الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة عالميًا، فضلًا عن إمكانية استهداف إسرائيل وحلفاء واشنطن في الخليج. كما لا تزال إيران تحتفظ بكميات من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يعني أن هدف منعها من تطوير سلاح نووي لم يتحقق بشكل كامل.
تكاليف عسكرية وبشرية متصاعدة
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تكاليف عسكرية وبشرية متصاعدة، إذ تشير تقارير إلى تعرض عشرات المنشآت الأمريكية في الشرق الأوسط لأضرار جسيمة، إضافة إلى تضرر قواعد عسكرية في عدة دول بالمنطقة. كما استنزفت العمليات الدفاعية نسبة كبيرة من مخزون صواريخ باتريوت وتوماهوك، في وقت تستغرق فيه إعادة إنتاج هذه الذخائر سنوات طويلة، ما يثير مخاوف بشأن الجاهزية العسكرية الأمريكية في حال اندلاع أزمات موازية مثل تايوان. وتكبدت القوات الأمريكية خسائر بشرية، مع سقوط وإصابة مئات الجنود، ما يضيف بعدًا سياسيًا وإنسانيًا داخل الولايات المتحدة حول جدوى الحرب وتكاليفها.
الاقتصاد وأسواق الطاقة في خطر
اقتصاديًا، انعكست الحرب على أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ، مدفوعة بتعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، وامتدت التداعيات إلى دول في آسيا وأوروبا، حيث اتخذت بعض الحكومات إجراءات تقشفية في استهلاك الطاقة، فيما دعت دول كبرى إلى ترشيد الاستهلاك وسط ضغوط متزايدة على الإمدادات. كما أن الاضطراب في حركة الطاقة والمواد الخام، بما في ذلك الأسمدة والهيليوم، يهدد بزيادة الضغوط على سلاسل الغذاء وصناعة أشباه الموصلات، ما ينذر بأزمة اقتصادية أوسع كلما طال أمد الصراع.
وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، تتزايد توقعات المؤسسات المالية الدولية بتباطؤ النمو، مع احتمال هبوطه إلى مستويات قريبة من 2% في حال استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة، وهو مستوى لا يتحقق إلا نادرًا في التاريخ الحديث، وغالبًا ما يرتبط بأزمات كبرى.
تباين دبلوماسي وتعزيز لمواقع الخصوم
دبلوماسيًا، ينعكس الصراع على العلاقات داخل المعسكر الغربي، حيث تتباين مواقف الحلفاء بشأن كيفية التعامل مع الأزمة، بينما تتعزز في المقابل مواقع خصوم الولايات المتحدة، خاصة روسيا التي استفادت اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة، والصين التي تراقب استنزاف القوى الغربية دون تدخل مباشر. وفي ظل هذا المشهد، يبقى خيار التصعيد العسكري مطروحًا، لكنه يحمل مخاطر أكبر وتكاليف غير محسومة، ما يجعل الحل الدبلوماسي هو المسار الأكثر واقعية، رغم تعقيداته السياسية. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا حول جدوى الانزلاق إلى الحرب من الأساس، وحول ما إذا كان هذا الصراع يمثل خطأً استراتيجيًا طويل المدى ستكون له تداعيات تاريخية على الولايات المتحدة وقيادتها العالمية.



