شهدت منطقتنا خلال السنوات الأخيرة حالة من عدم الاستقرار الناجم عن انزواء المشروع العربي الفكري والثقافي والديني، وهو ما ترك فكر النخب والعوام في فضاء متاح للاختراق من قبل أي مشروع بديل. من هنا بدأت الاضطرابات السياسية التي فجرت العديد من الصراعات.
انحسار القومية العربية
في فكر البعث القديم، كان مشروع القومية العربية هو المنقذ للأمة والحامي لحدودها والمحافظ على ثراء حالتها الوجدانية. ورغم نبل الفكرة في جوهرها، فإن تعثرها - متأثرة بأكثر من حدث تاريخي أو مؤامرة - ربما قاد الرئيس العراقي صدام حسين إلى حرب إيران، ثم محاولته فرض المشروع العروبي بالقوة من خلال إقدامه على غزو دولة شقيقة. ومنذ ذلك الحين، بدأ مفهوم القومية العربية ينحسر شيئاً فشيئاً، لتنخرط المنطقة في مواجهة مشروعين عقائديين وسط غياب المشروع العربي.
ثنائية حادة بلا مشروع عربي
ربما يتحاشى المثقفون العرب تناول تلك الإشكالية المزمنة، فالمنطقة تعيش منذ عقود تحت وطأة ثنائية حادة: مشروعان يمتلكان رؤية وبوصلة وأدوات، في مقابل فضاء عربي واسع وفقير فكرياً. الأول ديني طائفي تمددي إيراني، والثاني عقائدي توراتي توسعي تبنيه تل أبيب. وبينهما تقف الدول العربية في حالة من التشتت، لا تجمعها رؤية ولا خيط حضاري مشترك.
المشروع الإيراني: جيوسياسي وليس دينياً فقط
الخطأ الأكثر شيوعاً في قراءة المشروع الإيراني هو حصره في إطار الدين وحده. فما تمارسه طهران منذ 1979 أعمق بكثير من مجرد حماسة دينية؛ إنه مشروع جيوسياسي ذو ثوابت لا تتزحزح بتغير الرؤساء ولا بتبدل الشعارات. القرار الحقيقي ليس في يد من يُنتخب بل في يد من يُعين: المرشد والحرس الثوري هما الثابتان الوحيدان في معادلة السياسة الإيرانية، وما عداهما أدوات وظيفية. لا يكتفي المشروع بالخطاب الديني، بل يوظفه كغلاف يخفي في طياته مشروعاً فارسياً يستحضر أحلام الإمبراطورية القديمة ويعيد إنتاجها. أينما ظهر الوهن السياسي أو الفراغ الأمني أو حتى الاحتقان الشعبي، كانت طهران حاضرة، لا لتملأ الفراغ بل لتتابعه وتديره.
اللافت في هذا المشروع ليس ما حققه فحسب، بل ما كشفه من ثغرات عربية. فإيران لم تخترق لبنان بقوة السلاح وحدها، بل اخترقته بخطاب المقاومة الذي وجد فيه من يفتقر إلى مشروع بديل ملاذاً وجدانياً. ولم تهيمن على أجزاء من العراق نتيجة الثقل العسكري، بل من خلال ملء الفراغ الذي خلقه الغزو الأمريكي. المشروع الإيراني يعيش دائماً في بيئات تغيب فيها المشروعات الوطنية، ويتضخم كلما تآكلت الهوية العربية.
المشروع الإسرائيلي: ثلاث طبقات من الشرعية
أما المشروع الإسرائيلي فهو أكثر تعقيداً وأشد خطراً على المدى البعيد، لأنه يوظف ثلاث طبقات من الشرعية: الأولى دينية توراتية تمنح المستوطن في الضفة يقيناً لاهوتياً بحقه في الأرض، والثانية أمنية تسوق لكل تمدد جغرافي باعتباره دفاعاً عن النفس وليس عدواناً، والثالثة سياسية غربية تمول المشروع وتُروج له في أروقة صناع السياسة والرأي العام الدولي. الخطر الحقيقي يكمن في أن المجتمع الإسرائيلي يميل يوماً بعد يوم نحو اليمين الديني المتشدد الذي يرى في التوسع واجباً دينياً وليس مجرد خيار. هذا يغير طبيعة التفاوض المحتمل من أساسه، لأنك لا تستطيع أن تفاوض رجلاً يؤمن بأن الأرض التي يقف عليها هبة إلهية ومنحة من الرب.
قبل سنوات، بدأ المشروع يتمدد عبر الاستيطان والتهويد والتوسع الجغرافي بتصريح واضح من الإدارة الأمريكية التي نقلت سفارتها إلى القدس. هذا يؤشر إلى وجود تفاهمات حول تمكين إسرائيل من توسيع حدودها لتتجاوز السيطرة الكاملة على فلسطين مع ضم أجزاء من لبنان وربما إزاحة الحدود مع سوريا ضمن مشروع إسرائيل الكبرى، وهو ما سبق أن تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي في أكثر من مناسبة دون مواربة.
الأزمة العربية: أزمة مشروع لا موارد
الأزمة العربية في مواجهة المشروعين ليست أزمة جيوش ولا ثروات. فالعالم العربي يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية ما يكفي لبناء قوة إقليمية حقيقية. الأزمة هي أزمة مشروع. المنطقة عاشت في النصف الثاني من القرن العشرين على بقايا القومية العربية التي حاربها تيار الإسلام السياسي، ليصطدم الأخير في النهاية بجدار الدولة الوطنية والفطرة الرافضة للغلو والتشدد. ثم ظهرت الليبرالية النخبوية التي لم تنجح في بناء قاعدة شعبية عريضة. وكل ذلك جرى دون وجود تجارب خليجية رغم الإمكانات التي تؤهلها لتدشين مشروع حضاري ينافس مشروعي طهران وتل أبيب.
الأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة أسهمت إلى حد ما في رواج المذهبية والقبلية أو حتى الأيديولوجيا العابرة للحدود. وهذا يستوجب قراراً جماعياً بالاستثمار الجاد في الإنسان العربي ومعالجة التناقض بين الخطاب الرسمي عن الهوية العربية الجامعة والواقع المعيش من تنافس بيني وتغليب للحسابات الضيقة. فالدول التي تخشى النفوذ الإيراني في اليمن ولبنان وسوريا تبني أسواراً بينها وبين أشقائها أحياناً أعلى مما تبنيه في مواجهة طهران.
الفراغ الفكري واختطاف العقول
المشكلة الحقيقية تكمن في هذا الفراغ الفكري الذي يطمس الهوية وسط تدفق ثقافات مستوردة تقدم نفسها على أنها بديل جاهز. تتحول الحركات والنخب من مؤسسات تنظيمية كانت تخضع للرقابة وتضع المصالح العليا للدولة على رأس أولوياتها، إلى مجموعات شبكية تائهة بين الشائعات المنظمة ومخططات اختطاف العقل العربي. هذا يتزامن مع حالة من الافتقار الشعبي لوسائل تواصل رصينة تستهدف العقل وترسخ الانتماء وتطرح الرؤى الداعمة للهوية الجامعة. وهو ما دفع إيران إلى إطلاق برنامجها الجامح لاختراق المجتمعات العربية. وبنفس المنطق، يوظف الخطاب الإسرائيلي الفراغ الاستراتيجي العربي لفرض أمر واقع على الأرض، فيما يقتصر الرد على الارتجال.
التداعيات الخطيرة
يبدو أن التداعيات المترتبة على هذا الواقع الراهن تمثل مصدر خطر يجب أن يتحسب له الجميع. على صعيد الجغرافيا السياسية، تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات اشتباك بالوكالة، من لبنان واليمن والعراق إلى سوريا وغزة. وفيما يتعلق بواقع الفكر والثقافة، هناك جيل عربي جديد لا يقتات إلا على ثقافة المؤامرة أو مشاعر العجز، لأنه لا يرى مشروعاً يدعمه ويؤمن به. فيما عكست السياسات الإقليمية الحالة العربية الدفاعية الدائمة دون محاولة للاستباق وتحريك المبادرات لرسم معالم الإقليم.
الحل: مشروع عربي جامع
وفقاً لما سبق، يحتاج العالم العربي وسط هذا الزخم السياسي والأمني إلى خلق حالة من التوافق الفكري حول مشروع جامع يتجاوز العصبيات دون أن يلغيها، ويعيد الاعتبار للعقل والتعليم والإنتاج العلمي، ويباشر مهمة تفريخ أجيال قادرة على التحليل والابتكار والقيادة بعيداً عن الاستهلاك والتبعية. فضلاً عن معالجة حالة التناقض في بعض الدول التي تجمع بين مواجهة التمدد الإيراني في مناطق والإبقاء على بيئات اجتماعية قد تكون قابلة للاختراق.
كما يتوجب على الدول العربية أن تتوقف عن التعامل مع القضية الفلسطينية كورقة خطابية وتتبناها كمحور للمشروع العربي الجامع. إن تطبيع بعض الدول مع إسرائيل دون إحراز تقدم حقيقي نحو حل الدولة الفلسطينية يفرغ الخطاب العربي من أي مصداقية. كما أن أي مشروع فكري أو عقائدي معادٍ لن يهزم بالحرب أو بالبيانات. التاريخ يثبت دائماً أن المشروعات الفكرية والدينية الطامعة يجب أن تواجهها مشروعات مضادة تمتلك من الزخم الفكري والأخلاقي والمجتمعي ما يجعلها قادرة على المنافسة. وحتى يتم تحقيق هذا المسعى، ستظل المنطقة ساحة يتبادل فيها الآخرون الأدوار والمكاسب، فيما نظل مجرد شهود على تشكيل مصير الأمة.



