شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، حملة اقتحامات واعتقالات واسعة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، شملت مدنا وبلدات في طولكرم وجنين وبيت لحم والخليل ونابلس وقلقيلية وأريحا وسلفيت. وتخللت الحملة الإسرائيلية اعتقال عدد من الفلسطينيين، بينهم أسرى محررون، إلى جانب مداهمة منازل وتفتيشها والاعتداء على السكان واحتجاز مركبات، في سياق تصعيد ميداني متواصل تشهده الضفة الغربية، يتزامن مع توسع في عمليات المداهمة والاعتقال وتزايد الإجراءات العسكرية ضد الفلسطينيين.
الاقتحامات الإسرائيلية: من عمليات أمنية إلى استراتيجية شاملة
تعكس تلك العمليات كيف أن الاقتحامات الإسرائيلية للضفة الغربية لم تعد مجرد أحداث أمنية عابرة أو عمليات اعتقال محدودة، بل تحولت إلى مشهد يومي متكرر يترافق مع حصار للأحياء، وتدمير للبنية التحتية، واشتباكات متواصلة في عدد من المدن والمخيمات الفلسطينية. ومع اتساع نطاق هذه العمليات وتكرارها، يبرز تساؤل جوهري: هل تمثل الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة سياسة أمنية مؤقتة تستهدف مواجهة تهديدات ميدانية؟ أم أنها جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية سياسيا وأمنيا؟
ماذا يستهدف نتنياهو من تصعيد الاقتحامات؟
تستغل الحكومة الإسرائيلية، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التصعيد لتمكين المستوطنين من توسيع بؤرهم الاستيطانية، وتسهيل إجراءات السيطرة على الأراضي الفلسطينية لفرض وقائع ديموجرافية وجغرافية جديدة تجعل من قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا أمرا مستحيلا. كما يسعى نتنياهو إلى كسب أصوات اليمين الإسرائيلي المتشدد من خلال اللعب بورقة الاستيطان، وخلق أمر واقع جديد تفرض إسرائيل بموجبه سيطرتها على مناطق (أ) و(ب) التي من المفترض تبعيتها للسلطة الفلسطينية. ويستخدم نتنياهو –وحكومته- العمليات العسكرية في الضفة الغربية كورقة ضغط سياسية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية وإرضاء القواعد الشعبية المتطرفة التي تدعم سياسات القبضة الحديدية، خاصة مع بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية الفلسطينية.
ما دور الأحزاب اليمينية في الدفع نحو مزيد من العمليات العسكرية؟
تؤدي الأحزاب اليمينية دورا محوريا في الضغط المستمر نحو التصعيد العسكري، حيث يمثلون قوة ضغط رئيسية ترفض الحلول الدبلوماسية وتسعى لتكريس السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية. وفي السياق، ترفض أحزاب أقصى اليمين الإسرائيلي مثل حزب الصهيونية الدينية بقيادة وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وحزب القوة اليهودية بزعامة وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، أي مسارات تفاوضية أو سياسية، وتدعو بالمقابل إلى الحسم العسكري، وتبني ما يعرف بـ"استراتيجية جز العشب"، وهي استراتيجية إسرائيلية تعمل على إخماد أي مقاومة محتملة.
إلى أين تتجه المخططات الاستيطانية في الضفة الغربية؟
تتبنى حكومة نتنياهو سياسات استيطانية خطيرة، مثل مشروع "القدس الكبرى" والذي يستهدف ضم الكتل الاستيطانية الكبرى المحيطة بالقدس المحتلة إلى نفوذ سلطة الاحتلال، مع استكمال مشروع "إيه 1"، وهو مشروع استيطاني إسرائيلي يستهدف ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بمدينة القدس المحتلة وعزل شمال الضفة عن جنوبها، مما يهدد بتقسيم الضفة الغربية، والقضاء على حل الدولتين، وإعاقة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. كما رصدت حكومة الاحتلال مليارات الدولارات لشق وتوسيع طرق استيطانية ضخمة تقوم على فكرة ربط المستوطنات بالداخل المحتل وتفتيت الأراضي الفلسطينية؛ فضلا عن توسع البؤر الاستيطانية والرعوية، وتوسيع المستوطنات القائمة لتتحول إلى "مدن كبرى" مثل موديعين عيليت، معاليه أدوميم، بيتار عيليت، وأريئيل، والمصادقة على بناء عشرات آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة. وهو ما عبر عنه قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي آفي بلوط، واصفا المستوطنين اليهود بـ"السكان الذين ينبغي حمايتهم بأي ثمن"، بينما يتحول الفلسطينيون في خطابه العنصري إلى طرف يجب ردعه إذا حاول الدفاع عن أرضه أو الاعتراض على ما يحدث حوله، متبنيا سياسة "الأضواء الكاشفة"، والتي تعني ببساطة أن "كل حركات المقاومة الفلسطينية ستصبح تحت المراقبة والعقاب والتهديد".
النتائج المترتبة على استمرار النهج الإسرائيلي
والمحصلة، يؤدي الاستمرار في نهج الاستعمار الاستيطاني إلى ترسيخ واقع "الدولة الواحدة"، مما يقضي فعليا على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، وإنهاء خيار "حل الدولتين"، وقطع التواصل الجغرافي لأراضي الضفة الغربية المحتلة، واستحالة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما يؤدي –أيضا- إلى التحول نحو نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، يمنع الفلسطينيين من حقوقهم السياسية ويضعهم أمام نظام تمييز عنصري، وفق استراتيجية تستهدف تكريس السيطرة الإسرائيلية وتعميق تفتيت الجغرافيا الفلسطينية. ومع استمرار هذا النهج، تتزايد المخاوف من تآكل فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مقابل ترسيخ واقع جديد يفرض تحديات سياسية وقانونية وإنسانية متزايدة على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها.



