في الحادي والثلاثين من مايو، نفذت القوات البحرية الفرنسية، بدعم من المملكة المتحدة، عملية اقتحام مسلحة لناقلة النفط الروسية "تاجور" على بعد نحو 600 كيلومتر غرب منطقة بريتاني في المياه الدولية. جاء ذلك بعد مغادرة الناقلة ميناء مورمانسك الروسي وهي تحمل شحنة نفط معدة للتصدير.
تفاصيل العملية العسكرية
صعدت قوات الكوماندوز الفرنسية إلى السفينة الروسية عبر الإنزال بالحبال من مروحيات إلى سطحها، بينما قدمت القوات البريطانية الدعم في مجالات المراقبة والتتبع والاستطلاع. تضمن الدعم مروحية "ميرلين" التي كانت تعمل من على متن السفينة الحربية "إتش إم إس سومرست"، وفقًا لموقع ميليتاري ووتش الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية.
ردود فعل روسية غاضبة
بعد أن نشر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقطات مصورة لعملية الصعود إلى السفينة، اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا القوات الفرنسية بارتكاب أعمال قرصنة. وأكدت أن القانون البحري الدولي لا يجيز لسفينة حربية إجبار سفينة مدنية على تغيير مسارها واقتيادها من المياه الدولية إلى ميناء وطني، معتبرة أن الاستيلاء المسلح على السفينة المدنية يعد عملاً غير قانوني.
دلالات العملية الفرنسية
تشير عملية استيلاء القوات الفرنسية، بدعم بريطاني، على ناقلة نفط روسية في المياه الدولية إلى تحول نوعي في طبيعة المواجهة بين روسيا والدول الغربية. لم تعد ساحات الصراع مقتصرة على الجبهات العسكرية التقليدية أو العقوبات الاقتصادية، بل امتدت إلى المجال البحري وخطوط التجارة العالمية.
تعكس هذه الحادثة توجهاً غربياً متزايداً نحو استخدام الأدوات العسكرية والأمنية لفرض ضغوط مباشرة على حركة الصادرات الروسية، خاصة في قطاع الطاقة الذي يمثل أحد أهم مصادر الإيرادات لموسكو. ويبدو أن الدول الأوروبية باتت أكثر استعداداً للانخراط في عمليات ميدانية تستهدف السفن المرتبطة بالتجارة الروسية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص قدرة روسيا على الالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
موقف روسيا من التصعيد البحري
تنظر موسكو إلى هذه العمليات باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لحرية الملاحة البحرية، وهو ما يفسر التصريحات الروسية المتكررة بشأن ضرورة تعزيز الوجود البحري الروسي في الممرات الدولية لحماية السفن التجارية. تكشف هذه المواقف عن قناعة المؤسسة الأمنية الروسية بأن الصراع مع الغرب دخل مرحلة تتطلب إظهار قوة ردع بحرية أكثر وضوحاً.
في فبراير 2025، صرح مساعد الكرملين ورئيس المجلس البحري الروسي نيكولاي باتروشيف بأن وجوداً بحرياً دائماً أصبح ضرورياً لمنع الدول الأوروبية من عرقلة وصول السفن المدنية الروسية إلى المياه الدولية. وتؤكد موسكو أن البحرية الروسية مستعدة لاستخدام القوة لحماية السفن التجارية من الهجمات الغربية في المناطق البحرية الرئيسية، بما في ذلك المناطق البعيدة عن روسيا. ويقول باتروشيف: "يجب نشر قوات روسية كبيرة بشكل دائم، بحيث تكون قادرة على كبح جماح القراصنة الغربيين".
مآلات استهداف السفن التجارية
يكتسب هذا التطور أهمية إضافية في ظل تكرار حوادث استهداف السفن التجارية خلال السنوات الأخيرة، سواء تلك المرتبطة بروسيا أو بدول أخرى تخضع لعقوبات غربية. المؤشرات الحالية توحي بأن الغرب يسعى إلى توسيع نطاق الضغوط الاقتصادية لتشمل السيطرة على مسارات التجارة البحرية، بما يمنحها أدوات أكثر فعالية للتأثير على خصومها الاستراتيجيين.
وبحسب تصريحات سابقة لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فإن "العمليات الغربية المستمرة ضد الشحن المدني هدفها الهيمنة على الاقتصاد العالمي"، مضيفاً أن "حرباً ضد ناقلات النفط تُشن في أعالي البحار". كما أن مشاركة عدة دول أوروبية في هذه العمليات تعكس أن ملف الأمن البحري أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية احتواء روسيا. في المقابل، قد يدفع هذا النهج موسكو إلى زيادة انتشارها البحري وتوسيع نطاق حماية سفنها التجارية، الأمر الذي يرفع احتمالات الاحتكاك المباشر بين القوات الروسية والغربية في المياه الدولية.
مستقبل الملاحة الدولية
على المستوى الاستراتيجي، تثير عملية اقتحام السفينة الروسية التي نفذتها القوات البحرية الفرنسية، بدعم من المملكة المتحدة، تساؤلات حول مستقبل حرية الملاحة والتجارة الدولية، خاصة إذا تحولت عمليات اعتراض السفن المدنية إلى أداة متكررة في الصراعات الجيوسياسية. قد يؤدي استمرار هذا النهج إلى إعادة تشكيل قواعد المنافسة الدولية في البحار، ويزيد من مخاطر التصعيد بين القوى الكبرى، بما ينعكس على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
هل تندلع حرب ممرات بحرية؟
منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تثار احتمالية استخدام دول الكتلة الغربية لانتشارها البحري العالمي لاستهداف حركة الشحن الدولية. فقد اقترح معهد البحرية الأمريكية في عام 2020 الاستعانة بقراصنة مرتزقة من القطاع الخاص لاستهداف السفن المدنية الصينية بطريقة مماثلة كأحد الخيارات لتصعيد الضغوط، وفق موقع "ميليتاري ووتش".
في المحصلة، تكشف هذه الحادثة أن الصراع بين روسيا والغرب يتجه نحو مزيد من التعقيد والتوسع الجغرافي، حيث أصبحت الممرات البحرية وسفن الشحن جزءاً من معادلة الضغط المتبادل، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الدولي تتجاوز حدود العقوبات الاقتصادية التقليدية إلى ما يشبه "حرب الممرات البحرية" ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية.



