نشرت مجلة "لكسبريس" الفرنسية حوارًا حصريًا وسريًا أجراه الرئيس إيمانويل ماكرون مع الفيلسوف والكاتب ناثان ديفرز، قبل اندلاع الحرب على إيران. الحوار جرى على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية خلال رحلة العودة من زيارة رسمية إلى الهند في فبراير الماضي.
رؤية ماكرون لـ"طريق ثالث"
استعرض ماكرون في الحوار رؤيته لـ"طريق ثالث" تسلكه أوروبا بين القوى الكبرى المتنافسة، محذرًا من تداعيات الصراع المقبل ومن منطق "الصفقات التجارية" الذي يتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وشدد على أن طموحه الإستراتيجي ليس مجرد منافسة أمريكا أو الصين من الناحية الكمية أو الاقتصادية، بل تقديم "منظور قيمي مختلف" يضمن سيادة المجتمعات وحقوق الأفراد.
انتقادات حادة لغياب الشفافية
وانتقد الرئيس الفرنسي بشدة غياب الشفافية في الخوارزميات التي تدير كبريات شبكات التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن "حرية التعبير تظل مجرد وهم وتضليل طالما لا نعرف كيف يتم ترتيب وتفضيل المحتوى". ودعا ماكرون إلى "شفافية خوارزمية" صارمة تمنع تحول الفضاء الرقمي إلى "غابة" تسودها القوة، مؤكدًا أن معركته الكبرى هي ضد "الحرية المطلقة" المدمرة للديمقراطيات من جهة، وضد الرقابة الشاملة والسيطرة الحكومية من جهة أخرى.
توقعات ماكرون بشأن ترامب وإيران
وفيما يتعلق بالملف الإيراني الذي كان يسيطر على الأجواء وقت الحوار، قدم ماكرون قراءة ثاقبة ومثيرة للجدل لشخصية نظيره الأمريكي. ففي الوقت الذي كان الرئيس الأمريكي يحشد أساطيله الجوية والبحرية في المنطقة، توقع ماكرون أن الهدف النهائي لترامب ليس بالضرورة تغيير النظام أو الدفاع عن المبادئ، بل الوصول إلى صفقة رابحة. وقال ماكرون: "أعرف ترامب جيدًا؛ بعد الضربات العسكرية المحتملة، سيرغب فورًا في إبرام اتفاق جديد". ولفت بسخرية إلى التناقض الصارخ الذي قد يحدث في حال عاد ترامب إلى نسخة معدلة من "اتفاق أوباما" النووي الذي بذل قصارى جهده للانسحاب منه في ولايته الأولى.
رفض تصدير الديمقراطية بالقوة
ورفض ماكرون بشكل قاطع فكرة "تصدير الديمقراطية" عبر القوة العسكرية الغاشمة، قائلًا بعبارة حازمة: "لم أؤمن يومًا بأن القنابل والصواريخ يمكنها هزيمة الدكتاتورية أو بناء مجتمعات حرة". وشدد على أن مستقبل إيران يجب أن يكتبه الشعب الإيراني نفسه بإرادته الحرة، مشيدًا ببطولة المواطنين الذين انتفضوا ضد القمع، ومستشهدًا بكتابات الملكة السابقة فرح بهلوي عن "إيران الداخلية" التي تظل حية في وجدان المنفيين رغم البعد الجغرافي.
كواليس رفض الانضمام إلى مجلس السلام
وكشف الحوار عن كواليس رفض ماكرون القاطع للانضمام إلى "مجلس السلام" الذي أسسه ترامب كبديل عملي للأمم المتحدة لتعزيز رؤيته "التعاقدية" للسلام. واعتبر ماكرون أن توجهه للهند في ذلك التوقيت بدلًا من واشنطن كان إشارة دبلوماسية واضحة لرفض "التبعية". كما أكد أن علاقته بترامب تقوم على "الشفافية المطلقة والندية"، قائلًا: "ترامب لا يحترم إلا من يقف أمامه بصدق وقوة، دون كذب أو مواربة". وسرد ماكرون نجاحه السابق في تشكيل "تحالف الراغبين" لدعم أوكرانيا عندما فكر ترامب في التخلي عن الرئيس فولوديمير زيلينسكي، معتبرًا أن أوروبا أثبتت حينها أن "التاريخ ليس مجرد جولة في لعبة بوكر"، وأن القوة العسكرية والمبادئ الأخلاقية يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب لحماية العدالة الدولية.



