استهل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الأول من زيارته الرسولية إلى إسبانيا بسلسلة من اللقاءات الرسمية والرعوية والإنسانية التي عكست ملامح حبريته القائمة على تعزيز ثقافة الحوار والدفاع عن الكرامة الإنسانية وتشجيع الشباب على صناعة مستقبل أكثر عدالة وسلامًا.
لقاءات رسمية ورعوية
فور وصوله إلى العاصمة مدريد، توجّه الأب الأقدس إلى القصر الملكي حيث التقى العاهل الإسباني الملك فيليب السادس، قبل أن يجتمع بممثلي السلطات المدنية والمجتمع المدني وأعضاء السلك الدبلوماسي في قاعة صالون الأعمدة. وألقى خطابًا تناول فيه الأبعاد الروحية والثقافية لزيارته، مؤكدًا أن إسبانيا تحمل إرثًا حضاريًا وإيمانيًا عريقًا أسهم في تشكيل هوية البلاد على مدى قرون.
رسائل الحوار والتعايش
شدد الحبر الأعظم على أن الهدف من الزيارة يتمثل في تشجيع المؤمنين على تجديد إيمانهم وتعزيز قيم المصالحة والحوار والتعاون. وأكد أن تاريخ إسبانيا يقدم نموذجًا حيًا لقدرة ثقافة اللقاء على تجاوز الانقسامات وبناء مستقبل قائم على التفاهم والاحترام المتبادل. وحذر بابا الكنيسة الكاثوليكية من مخاطر الاستقطاب والأيديولوجيات التي تعزل الإنسان عن الواقع، داعيًا إلى الاستثمار في الثقافة والتعليم والحياة الروحية باعتبارها الأساس الحقيقي للحرية والمسؤولية. كما أكد أهمية الحرية الدينية وحرية الضمير.
وأشاد بابا الفاتيكان بالإرث التاريخي للتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الأيبيرية، موجهًا دعوة إلى أوروبا لتكون نموذجًا في التضامن وخدمة الأسرة البشرية.
محطات إنسانية
في محطة إنسانية مؤثرة، التقى قداسة البابا نحو أربعين شخصًا من ذوي الهمم والمرضى، برفقة ممثلين عن مؤسسات خيرية كاثوليكية من إيبارشية مدريد. شاركهم الصلاة وحيّاهم فردًا فردًا في لفتة أبوية عكست قرب الكنيسة من المتألمين والمهمشين.
كما زار عظيم الأحبار مركز الاستقبال الاجتماعي "CEDIA 24 HORAS"، حيث التقى العاملين والمستفيدين من خدماته، مستمعًا إلى شهادات مؤثرة لمهاجرين وأمهات عازبات. وأكد أن الكنيسة مدعوة إلى إبقاء أبوابها مفتوحة أمام الجميع، معتبرًا أن أعمال الرحمة والمحبة ليست مجرد مبادرات اجتماعية، بل تجسيد حي لرسالة الإنجيل.
وقال الأب الأقدس: "إن كل لقاء مع شخص محتاج يمثل فرصة نعمة لا ينبغي إهدارها"، محذرًا من اللامبالاة ومن النظرة التي تختزل الإنسان في أوضاعه الاجتماعية أو القانونية. ودعا إلى تنمية قلب حي قادر على الإصغاء والتعاطف وخدمة الآخرين بمحبة صادقة.
لقاء شبابي حاشد
واختُتم اليوم الأول بلقاء شبابي حاشد في العاصمة الإسبانية، شارك فيه آلاف الشبان والشابات في أمسية صلاة وحوار مفتوح مع بابا الكنيسة الكاثوليكية. دعا البابا الشباب إلى أن يكونوا النفس في جسد هذا العالم، وأن يحملوا رسالة الرجاء في زمن تسوده النزاعات والانقسامات.
واستعرض قداسة البابا خبرته الإرسالية في البيرو، مؤكدًا أن لقاءه بالفقراء والمتألمين علّمه كيف يغيّر الإنجيل حياة الإنسان والمجتمعات. وقدم للشباب ثلاث ركائز أساسية لتمييز صوت الله وسط ضجيج العالم: الصمت، والصلاة الحرة الصادقة، والإصغاء إلى كلمة الله، والاتحاد بالمسيح في القربان الأقدس.
وأكد عظيم الأحبار أن المسيحي مدعو لأن يكون صانع تغيير في مجتمعه وعائلته وبيئته الرقمية، داعيًا الشباب إلى مقاومة اللامبالاة والعنف وبناء إنسانية جديدة قائمة على العدالة والمحبة والأخوّة.
واختتم الأب الأقدس رسالته للشباب بكلمات حملت عنوان اليوم الأول من زيارته قائلًا: "كونوا إنسانيين"، مشددًا أن الإيمان المسيحي ليس مجرد أفكار أو شعارات، بل أسلوب حياة يكتمل بالمحبة التي تمتلك القدرة على تغيير التاريخ وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا للبشرية جمعاء.
شكّل اليوم الأول من الزيارة الرسولية لقداسة البابا لاون الرابع عشر إلى إسبانيا لوحة متكاملة جمعت بين اللقاءات الرسمية والرؤية الفكرية والبُعد الرعوي والإنساني، مؤكدًا أن السلام والحوار والتضامن مع الفئات الأكثر ضعفًا هو محور في صميم رسالة الكنيسة في عالم اليوم.



