أكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أن حسابات انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والأزمات الاقتصادية قد تدفع الولايات المتحدة إلى تجنب الانزلاق في مواجهة أوسع مع إيران. وأشار إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل تهدف إلى توزيع المسؤولية وتخفيف الانطباع بأن واشنطن منخرطة مباشرة في الضربات.
تصريحات ترامب بشأن عدم التنسيق مع إسرائيل
قال بدر الدين في حواره لصحيفة "الوطن" إن تصريحات ترامب حول عدم التنسيق مع إسرائيل في غارة بيروت تأتي في سياق معقد، حيث لا يمكن عزل ما يحدث في الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان عن مسار التصعيد الممتد. وأوضح أن إسرائيل وسعت عملياتها بشكل لافت، ووصلت ضرباتها إلى مناطق متعددة في جنوب لبنان، مما أثر على نصف مساحة البلاد تقريباً من حيث التهديد العسكري أو الاستهداف غير المباشر.
وأضاف أن إيران كانت قد طرحت خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة عبر وسطاء أن أي تفاهم سياسي يرتبط بعدم الاعتداء على لبنان، باعتباره جزءاً أساسياً من معادلة الإقليم. لكن إسرائيل لم تلتزم بهذه الرسائل، واستمرت في عملياتها، مما دفع إيران إلى التلويح بعدم التسامح مع استمرار العدوان. وعندما يخرج ترامب بتصريحات تؤكد عدم التنسيق، فهو يحاول إظهار أن الولايات المتحدة ليست شريكاً مباشراً في هذا التصعيد، بهدف تقليل احتمالات تحميلها مسؤولية ردود الفعل الإيرانية أو استهداف مصالحها في المنطقة.
تجنب ردود فعل إيرانية ضد القواعد الأمريكية
أوضح بدر الدين أن الولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على مصالحها في الشرق الأوسط، سواء عبر تهديد مضيق هرمز أو استهداف سفن أو منشآت أو قواعد عسكرية. وهذا لا يؤثر فقط على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، خاصة أسعار النفط وسلاسل الإمداد، مما ينعكس على الداخل الأمريكي. وأشار إلى عامل سياسي مهم وهو اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، حيث تحرص الإدارة الأمريكية على عدم تحمل كلفة سياسية أو اقتصادية لأي تصعيد قد يخرج عن السيطرة. لذلك، يهدف هذا الخطاب إلى توزيع المسؤولية وتخفيف الانطباع بالانخراط المباشر في الهجمات.
هل يعكس قول ترامب "أنا صاحب القرار في ملف التفاوض مع إيران" نزعة فردية؟
أكد بدر الدين أن هذه العبارة لا تُفهم بمعناها المباشر، لأن ترامب غالباً ما يستخدم لغة حادة، لكنها تشير إلى الولايات المتحدة كدولة وليس كفرد. فهو يريد التأكيد أن واشنطن لا تزال الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة هذا الملف، وقادرة على ضبط إيقاع التصعيد. وهناك إشارات إلى وجود ضغوط داخلية وخارجية، بما في ذلك التباين مع إسرائيل، وربما رسائل غير مباشرة تتعلق بضرورة عدم الانجرار إلى تصعيد غير محسوب مع اقتراب استحقاقات سياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
تأثير حسابات الانتخابات على إدارة الصراع
أوضح بدر الدين أن المعادلة معقدة جداً في الولايات المتحدة، حيث تميل مصلحة الإدارة الحالية إلى تهدئة الأوضاع قبل الانتخابات لتجنب أي تداعيات اقتصادية أو أمنية. أما في إسرائيل، فتواجه الحكومة حسابات داخلية، حيث ترى بعض القوى أن استمرار الضغط العسكري يحقق مكاسب سياسية، بينما يرى آخرون أن التصعيد يضر بصورة الدولة ويؤثر على الاستقرار الداخلي. ومع تزايد تأثير الضربات الإيرانية على الجبهة الداخلية الإسرائيلية واستمرار الضربات المتبادلة، يصبح الرأي العام عاملاً حاسماً، مما يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي وليس عسكري.
هل يمكن الوصول إلى تسوية متوازنة؟
أكد بدر الدين أن أي حل واقعي يجب أن يقوم على فكرة أن لا طرف سيخرج منتصراً بالكامل ولا مهزوماً بالكامل، بمعنى أن كل طرف يحصل على جزء من مطالبه دون أن يحقق مكاسب مطلقة. هذه هي المعادلة الوحيدة القابلة للاستمرار: لا إيران تحصل على كل شيء، ولا إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، بل تسوية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع وتمنع الانفجار الكامل.
تحول في التحالف الأمريكي الإسرائيلي أم اختلاف في إدارة المرحلة؟
أوضح بدر الدين أننا أقرب إلى اختلاف في إدارة المرحلة وليس تحولاً استراتيجياً في التحالف، لأن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لا تزال قوية واستراتيجية. لكن طريقة إدارة الأزمات الحالية تكشف تباينات في التكتيك، خاصة بين من يفضل التصعيد ومن يفضل التهدئة، مما يخلق هذا النوع من التصريحات المتبادلة التي تبدو متناقضة، لكنها تدور داخل إطار تحالف قائم.
سياسة أمريكية تقليدية
اختتم بدر الدين حديثه بأن موقف ترامب الأخير الذي يجمع بين انتقاد إسرائيل والضغط على إيران للعودة إلى المفاوضات يعكس سياسة أمريكية تقليدية في أوقات الأزمات، وهي محاولة الضغط على جميع الأطراف. فترامب في خطابه الأخير قال فعلياً لإيران "لقد أطلقتم صواريخكم، والآن عودوا إلى المفاوضات"، وفي الوقت نفسه كان يوجه رسائل ضمنية لإسرائيل بضرورة ضبط الردود وعدم التصعيد المفرط. لذا، يحاول فرض مسار دبلوماسي بالقوة السياسية، لأن استمرار المواجهة لأشهر إضافية لن يحسم عسكرياً، بل سيزيد الكلفة الاقتصادية والأمنية. فإيران تكرر موقفها بأنها لن تفاوض تحت ضغط النار، وإسرائيل تميل إلى توسيع العمليات، وهذا التباين يجعل واشنطن تحاول لعب دور "ضابط الإيقاع" بين الطرفين.



