التراجع الأمريكي عن مواجهة إيران: حسابات العواقب والجغرافيا
لماذا تتراجع أمريكا عن مواجهة إيران في هرمز؟

يكتب د. علي عبد الحكيم الطحاوي: لماذا التراجع الأمريكي عن مواجهة إيران لفتح مضيق هرمز؟

الواقعية السياسية الباردة

الولايات المتحدة لا تترك إيران حرة لأنها "عاجزة"، ولكن لأنها تمارس "واقعية سياسية باردة"؛ حيث تبين لها أن العيش مع "إيران مأزومة ومحاصرة اقتصادياً" أفضل بكثير، وأقل كلفة، من العيش في عالم يشتعل فيه الشرق الأوسط وتنهار فيه أسواق الطاقة العالمية نتيجة مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب.

فشل الحرب وعدم استقرار النفط

لذا قد اقترب التوصل لاتفاق بعد فشل فتح مضيق هرمز بالحرب، وتسبب إيران في عدم استقرار سوق النفط العالمي. ومن هنا أوضح كيف تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية سجلاً حافلاً يثبت قدرتها الاستخباراتية والعسكرية الفائقة على اختراق العمق الإيراني بدءاً من التصفيات الدقيقة لرموز النظام الإيراني سواء عسكرية وفوق عسكرية، ومروراً بالهجمات السيبرانية المعقدة التي عطلت منشآت نووية، وصولاً إلى الضربات الموجهة ضد مواقع حيوية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لماذا التردد رغم التفوق؟

لذلك أرى هذا التفوق يطرح السؤال الأبرز في دهاليز السياسة الدولية حول الأسباب التي تجعل واشنطن تتردد في خوض مواجهة شاملة لإنهاء صداع مضيق هرمز وتهديدات طهران الإقليمية مرة واحدة وإلى الأبد، على الرغم من قدرتها السابقة على هزيمة النظام الإيراني عسكرياً.

وإن الجواب على هذا التساؤل لا يكمن في ضعف القوة العسكرية، ولكن في حسابات العواقب والمعادلات الجيوسياسية المعقدة التي تجعل تكلفة الحرب أكبر بكثير من مكاسبها المحتملة، وتستند هذه الرؤية السياسية والعسكرية إلى عدة ركائز أساسية تفسر التراجع الأمريكي عن خوض حرب شاملة ضد إيران.

معضلة الجغرافيا ومضيق هرمز

وتأتي في مقدمة هذه الحسابات معضلة الجغرافيا التي تميز موقع إيران المشرف على مضيق هرمز، والذي يتدفق عبره نحو عشرين بالمئة من استهلاك النفط العالمي والغاز المسال يومياً. وأن واشنطن تدرك جيداً أن طهران لا تحتاج إلى الانتصار في معركة بحرية تقليدية لإغلاق المضيق، ولكن يكفيها استخدام استراتيجية الحرب غير المتناظرة، عبر نشر آلاف الألغام البحرية الذكية والرخيصة، وإطلاق أسراب من الطائرات المسيرة والانتحارية والقوارب السريعة، بالإضافة إلى استهداف ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في المنطقة، مما يعني أن أي مواجهة شاملة ستؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية تهوي بالاقتصاد الدولي في ركود تضخمي غير مسبوق لسنوات طويلة، وهي مخاطرة لا تريد أي إدارة أمريكية تحمل تبعاتها أمام ناخبيها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

دروس العراق وأفغانستان

ولا ننسى إلى جانب ذلك قد استوعب صانع القرار في البيت الأبيض والبنتاغون الدرس القاسي من حرب العراق وأفغانستان، وتكرس لديهم الاقتناع بأن تدمير النظام الإيراني عسكرياً قد يستغرق أسابيع، لكن إدارة الفوضى في بلد يبلغ عدد سكانه نحو تسعين مليون نسمة ويمتلك طبيعة جغرافية جبلية وعرة سيمتد لعقود طويلة.

وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الحرب الشاملة مع إيران وتغيير نظامها قد يكلف الخزانة الأمريكية تريليونات الدولارات، وهو ما يتعارض تماماً مع العقيدة السياسية الحالية في واشنطن التي تنادي بإنهاء الحروب الأبدية والتركيز على الاقتصاد الداخلي.

شبكة الدفاع الإيرانية والعمق الإقليمي

كما تمتلك إيران ميزة عسكرية أخرى تتمثل في شبكة الدفاع المتقدم والعمق الإقليمي بالوكالة، حيث تستطيع طهران في حال تعرضها لضربة وجودية أن تفعل فوراً حلفاءها في المنطقة عبر جبهات ممتدة في لبنان واليمن والعراق وسوريا.

وأرى هذا السيناريو يعني أن الحرب لن تقتصر على الأراضي الإيرانية، ولكنها ستتحول فوراً إلى حرب إقليمية شاملة تشتعل فيها جبهات متعددة في وقت واحد، وتصبح القواعد الأمريكية المنتشرة وحلفاء واشنطن الأساسيون تحت رحمة آلاف الصواريخ الدقيقة والمسيرات يومياً كما شاهدنا في بداية الحرب، مما يجعل تكلفة حماية الحلفاء باهظة جداً من الناحيتين البشرية والمادية.

الأولويات الاستراتيجية العالمية

ومن الزاوية الاستراتيجية العالمية لم يعد الشرق الأوسط يمثل الأولوية القصوى في العقيدة الأمنية الأمريكية الحديثة، إذ يرى القادة في واشنطن أن الخطر الوجودي الحقيقي الذي يهدد الهيمنة الأمريكية يكمن في تمدد الصين في المحيط الهادئ حول ملف تايوان، وتحركات روسيا في شرق أوروبا.

وبناءً على ذلك فإن الانجرار إلى حرب استنزاف كبرى مع إيران سيعني استهلاك مخزون الذخائر الأمريكية، وإنهاك القوات البحرية والجوية، وتحويل مليارات الدولارات والتركيز السياسي بعيداً عن الساحة الآسيوية، وهو ما يمثل الهدية المجانية الكبرى التي تنتظرها الصين وروسيا لتعزيز نفوذها العالمي مستغلة الانشغال الأمريكي.

الخلاصة: التعايش بدلاً من الحرب

وفي النهاية يبرز الفارق الجوهري في العلوم العسكرية بين القدرة على الاختراق والاستهداف، وبين القدرة على الحسم دون كلفة عظمى، حيث يعتمد نجاح الاستخبارات في تنفيذ عمليات اغتيال أو ضرب منشآت سرية على عنصر المفاجأة والتفوق التكنولوجي الخاطف، لكن تحويل هذا الاختراق إلى حرب مفتوحة يعني إسقاط كل قواعد الاشتباك الممنهجة والانتقال إلى مرحلة ردود الفعل المدمرة من الطرف الآخر.

وتأسيساً على ذلك تظهر الواقعية السياسية الباردة للولايات المتحدة التي ترى أن التعايش مع إيران مأزومة ومحاصرة اقتصادياً هو خيار أفضل بكثير وأقل كلفة من العيش في عالم يشتعل فيه الشرق الأوسط وتنهار فيه أسواق الطاقة العالمية نتيجة مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب.