مع استحضار الهجرة النبوية وبداية عام هجري جديد، يتجدد الحديث عن دور الصحابة في هذه الرحلة المباركة. ومن أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في الهجرة هو عبد الله بن أبي بكر الصديق، الذي كان عين النبي صلى الله عليه وسلم السرية في نقل الأخبار.
نسبه ونشأته
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي. والده هو أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله الأول، وأمه قتيلة بنت عبد العزى. إخوته هم: أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين)، محمد بن أبي بكر، أم كلثوم بنت أبي بكر، أم المؤمنين عائشة، وعبد الرحمن بن أبي بكر. وُلد عبد الله قبل البعثة، وأسلم مبكرًا، وكان موضع ثقة أبيه.
دوره في الهجرة النبوية
كان دور عبد الله بن أبي بكر في الهجرة عظيمًا، حيث كان يأتي بالأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر أثناء اختبائهما في غار ثور. يذكر البخاري في صحيحه: "ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام".
ويتلخص دوره في ثلاث مهام رئيسية: أولاً: مراقبة تحركات قريش في بحثها عن النبي وأبي بكر. ثانيًا: نقل أخبار قريش إليهما، حيث كان يجلس في مجالسهم نهارًا ويذهب إلى الغار ليلاً. ثالثًا: إحضار الطعام لهما في الغار، ليؤنس وحدتهما.
زواجه من عاتكة بنت زيد
تزوج عبد الله من عاتكة بنت زيد العدوية، أخت الصحابي سعيد بن زيد، وكانت ذات جمال وعقل. أحبها حبًا شديدًا حتى شغلته عن العبادة، فغضب أبوه وأمره بطلاقها، فطلقها طلقة رجعية. ندم عبد الله وقال شعرًا:
يقولون طلقها وخيم مكانها ... مقيمًا تمني النفس أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جميعهم ... على كثرة مني لإحدى العظائم
فرق له أبوه وأمره بمراجعتها، فراجعها. وماتت وهي عنده، فرثته بقصيدة بليغة.
المشاهد التي حضرها ووفاته
بعد الهجرة، لم يُسمع له بمشهد إلا في فتح مكة وحنين والطائف. أثناء حصار الطائف، رماه أبو محجن الثقفي بسهم، فجرح ثم اندمل، ثم انتقض الجرح ومات في شوال سنة 11 هـ، بعد وفاة النبي بأربعين يومًا. وقد شارك في دفنه عمر بن طلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر.
يُروى أن عبد الله اشترى حلة كان قد اشتراها النبي صلى الله عليه وسلم ليكفن بها، ثم تركها. فقال: "لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي"، ثم قال: "لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها"، فباعها وتصدق بثمنها. وقيل إن الحلة كانت له، وأحضرها لتكفين النبي ثم نزعت عنه، فرفض التكفين بها وتصدق بها.
رثاء زوجته له
كان فراق عبد الله صعبًا على زوجته عاتكة، التي رثته بقصيدة قالت فيها:
رزئت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضه ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
كان عبد الله بن أبي بكر نموذجًا للوفاء والتضحية، وله دور لا يُنسى في الهجرة النبوية.



