في تحليل جديد، يقدم الأوكتاجون الوجه الجديد للدولة المصرية القادرة على التأثير في معادلات التوازن والأمن الإقليمي والدولي، والمنفتحة على سياسات مختلفة في الداخل تعزز الاستقرار، وتحمي المجتمع من مسببات التوتر والقلق السياسية والاقتصادية بفتح آفاق أوسع للإعلام، والأحزاب السياسية، والمشاركة المجتمعية في وضع السياسات وتنفيذها، والرقابة على الأجهزة الحكومية.
افتتاح الأوكتاجون تتويج لرؤية مصرية جديدة
افتتاح «الأوكتاجون» يأتي تتويجاً لإعادة صياغة الرؤية المصرية تجاه امتدادات نفوذها الحيوي والقومي في الإقليم على قاعدة التوازن في العلاقة مع القوى العالمية شرقاً وغرباً. على مدى السنوات والأشهر الأخيرة، تابعنا تقارير تتحدث عن اتفاقات دفاعية ووجود عسكري للجيش المصري بصور مختلفة من القرن الأفريقي إلى دول حوض النيل وصولاً إلى دول الساحل والصحراء في عمق أفريقيا، وليس انتهاء بنشر نقاط تمركز عسكري في معظم دول الخليج مع بداية العدوان الصهيوأمريكي على إيران.
النفوذ العسكري المصري يمتد إلى البحر المتوسط
هذا النفوذ العسكري امتد إلى البحر المتوسط، سواء عبر البحرية المصرية أو الاتفاقات والتحالفات الجديدة مع الأطراف الإقليمية الفاعلة. مصر لعبت دوراً حاسماً في منع اندلاع مواجهة خليجية إيرانية وتوريط جيراننا العرب في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومن خلف الستار، وبإقرار طرفي الصراع في واشنطن وطهران، لعبت القاهرة أدواراً للتوصل إلى مذكرة التفاهم بين البلدين المتحاربين.
إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي الجماعي
بيد أن الدور الأهم كان بإعادة صياغة مفهوم جديد للأمن الإقليمي الجماعي ليضمن الاستقرار، ويتحدى المشروع الصهيوني التوسعي. خطوة بخطوة بدأت عملية بناء هذا المفهوم عبر التحالف المصري السعودي التركي الباكستاني لمواجهة المشروع الصهيوني الإرهابي في السودان والصومال وإريتريا واليمن بالعمل على قطع الأذرع الصهيونية، التي حاولت العبث بأمن اليمن والبحر الأحمر وباب المندب وأمن السودان وليبيا.
الأوكتاجون: عقل الدولة المصرية
الأمر بالنسبة للدولة المصرية لم يكن فقط يتعلق بمحاصرة المشروع الصهيوني الإثيوبي، المدعوم عبر الأذرع في نهر النيل، رغم أن الرؤية المصرية كان من الممكن أن تكتفي بما يهدد الأمن القومي المباشر في نهر النيل وليبيا والسودان، ذلك أن عقل الدولة المصرية الراسخ في الأوكتاجون يدرك جيداً أن أمن مصر ونفوذها الحيوي ممتد من موريتانيا إلى إيران ومن شمال البحر المتوسط إلى عمق القارة السمراء. مصر دشنت مفهوم الأمن الإقليمي الجماعي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين القوى الإقليمية الأصيلة في جغرافيا ممتدة من باكستان وإيران إلى تركيا وقبرص واليونان حتى جبال الأطلسي.
رمزية الأوكتاجون في مواجهة التحديات
أوكتاجون مصر يمثل الرمزية الأهم لكل ما بُذل وسيُبذل من جهد وتضحيات وللأدوار القادمة والمتطورة لحفظ أمن الإقليم، وتحجيم غطرسة الكيان الصهيوني. الرئيس عبدالفتاح السيسي عبَّر عن ذلك في كلمته أثناء افتتاح الأوكتاجون للتأكيد على أنه لا سلام ولا تطبيع شعبي مع الكيان دون حل عادل يضمن قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا ما يُعد تحدياً صريحاً للمشروع الصهيوني التوسعي، سواء في غزة والضفة الغربية أو في لبنان وسوريا.
توازن العلاقات مع القوى الكبرى
الرئيس شكر كلاً من الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب على توقيعه اتفاقية شرم الشيخ للسلام، والروسي فلاديمير بوتين على دعمه ببناء مفاعل الضبعة النووي، وهي إشارة سياسية تؤكد التمسك بالقاعدة المصرية الثابتة وهي التوازن في العلاقة مع القوى العالمية الكبرى، علاوة على تذكير القوتين بأهمية استمرار أدوارهما البناءة في حفظ السلام وعملية النمو والازدهار الاقتصادي، وحلحلة الأزمات في دول الإقليم، لا سيما في المناطق التي تشهد صراعاً على النفوذ السياسي والعسكري بين البلدين.
الأوكتاجون: إدارة التحديات الداخلية
الرئيس السيسي أشار في حديثه إلى أن الأوكتاجون لا يمثل فقط قاعدة لإدارة المسائل العسكرية، وأزمات أمن الإقليم، وإنما يُعد عقل الدولة المصرية لإدارة التحديات الداخلية. وكما أنه يعتمد على الذكاء الاصطناعي وأحدث التكنولوجيات في جمع وتحليل المعلومات ذات الطابع العسكري والاستراتيجي بما يساعد على سرعة اتخاذ القرار المناسب، يعمل أيضاً «الأوكتاجون» على جمع وتحليل البيانات الخاصة بالواقع المصري على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمساهمة في وضع الحلول وصياغة التصورات والرؤى المتعددة لمواجهة كل التحديات الراهنة والمستقبلية.
دروس من ثورة يناير 2011
الرئيس ذكَّرنا بأن أحد الدروس المستفادة من أحداث ثورة يناير عام 2011 إخراج مقار مؤسسات الدولة الحيوية من أماكن الاختناق داخل العاصمة القديمة، والتي كانت تعاني بالفعل من اختناقات مرورية حتى قبل أحداث 2011. أغلبنا كان شاهداً على ترويج عناصر الإخوان وغيرها من التنظيمات الإسلاموية الإرهابية لفكرة اقتحام مقار مجلسي الوزراء والشعب لإحراج الدولة لنفاجأ بتنفيذ هذا المخطط بعد ساعات قليلة. الأمر ذاته تكرر عند محاصرة مقر وزارة الدفاع في محاولة بائسة لاقتحامه. لذلك كان التفكير جاداً في نقل مؤسسات الدولة الحيوية إلى حيث مقر العاصمة الإدارية الجديدة لتكون بعيدة عن أي محاولات للابتزاز وشل عمل مؤسسات الدولة ومنعها من القيام بأدوارها التقليدية. واستطرد الرئيس قائلاً: «لكن هذا لا يعني أن أهل الشر لن يفكروا في وسائل أخرى لتقويض الدولة ومؤسساتها».
توجيهات الرئيس لمواجهة التوتر الداخلي
هذا الحديث جاء في ختام كلمة الرئيس، لكنه أيضاً أعقب مباشرة مجموعة القرارات والتوجيهات التي أصدرها للحكومة ومختلف مؤسسات الدولة. من هذه التوجيهات التي كشفت إدراك الرئيس وما يمثله من رمزية لعقل الدولة المصرية أن أسباب التوتر والقلق، التي قد يستغلها تنظيم الإخوان الإرهابي أو غيره من التنظيمات الفوضوية، قد تكمن في بعض المعالجات الخاطئة لملفات السياسة الداخلية والاقتصاد، وهو ما يتعين مواجهته أولاً بأول بالمكاشفة والمتابعة والتصحيح. الرئيس وجَّه الحكومة إلى الاستماع لرأى المواطن ومعاناته، وبالطبع لن يكون الهدف هو الاستماع بحد ذاته، وإنما مراجعة السياسات والقرارات التي تسببت في تلك المعاناة.
انفتاح الإعلام على الرأي الآخر
ثم وجَّه بضرورة أن ينفتح الإعلام على الرأي والرأي الآخر تجاه جميع القضايا، وهو ما يُعد إشارة واضحة بضرورة الانفتاح على التصورات والأفكار المغايرة والمختلفة لتصحيح المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الحكومة. وفي هذا السياق أشار إلى ضرورة أن تعمل وزارة الدولة للإعلام بالتنسيق مع كافة الهيئات الإعلامية والصحفية لمراجعة السياسات الإعلامية وتحفيز الأداء بما يعمل على أن يكون المواطن حاضراً بمشكلاته وتحدياته وأزماته في الإعلام المصري، كون الإعلام إحدى أدوات الحكومة للاستماع والتواصل مع المواطن.
تنشيط الحياة الحزبية والمجالس المحلية
الرئيس وجَّه أيضاً بتنشيط وتعزيز الحياة الحزبية، واتخاذ اللازم من الإجراءات القانونية لعمل انتخابات للمجالس الشعبية المحلية، وهو ما يعني مشاركة الأحزاب برؤاها وأفكارها في مناقشة السياسات العامة، لا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز مشاركة المواطن عبر المجالس المحلية في عملية مراقبة وتصحيح أداء الأجهزة التنفيذية والمحليات لتحسين مستوى الخدمات المقدمة.
معالجة الأعباء الاقتصادية
وعلى الصعيد الاقتصادي وجَّه الرئيس بأن يعمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة مع وزارتي الزراعة والتموين على توفير كافة السلع وإتاحة المزيد من المنافذ لخفض الأسعار وضبط السوق. بعبارة أخرى، يدرك الرئيس أن زيادة الأعباء وارتفاعات الأسعار المتلاحقة أحد أهم المسببات الرئيسية للتوتر والقلق.
المواطن حاضر بأزماته
خلاصة القول: «المواطن الذي طال غيابه سيكون حاضراً بأزماته قبل إنجازاته، ما قد يعني أننا ربما نكون بصدد مشهد سياسي وإعلامي أكثر انفتاحاً على الآراء والأفكار الوطنية المعارضة، وسيكون فيه المواطن البطل الرئيس».



