لا تقتصر الحروب على تدمير المباني وسقوط الضحايا، بل تمتد لتطال صفحات التاريخ الإنساني بأكمله. فكل موقع أثري يُدمّر وكل متحف يُقصف أو يُنهب يمثل خسارة تتجاوز الحدود الوطنية لتطول ذاكرة البشرية جمعاء. ومع تكرار استهداف المعالم الثقافية والتراثية في مناطق النزاع، تتجدد النقاشات حول دور القانون الدولي والاتفاقيات الأممية في حماية التراث الإنساني، ومدى قدرة المجتمع الدولي على مواجهة محاولات طمس هوية الشعوب وتاريخها.
الحماية القانونية للتراث الثقافي
يحظى التراث الثقافي بحماية قانونية دولية بصفته جزءاً من الإرث الإنساني المشترك، حيث تمثل الممتلكات الثقافية رموزاً للهوية والتاريخ والذاكرة الجماعية للشعوب. وتُعد اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في أثناء النزاعات المسلحة أبرز الوثائق الدولية في هذا المجال، إذ جاءت استجابة للدمار الواسع الذي لحق بالمواقع الثقافية خلال الحرب العالمية الثانية. وتُعرّف الاتفاقية الممتلكات الثقافية بأنها تشمل المباني التاريخية والأثرية والدينية، والمتاحف والمكتبات والمخطوطات والتحف الفنية، إضافة إلى المراكز التي تضم مجموعات كبيرة من هذه الممتلكات. كما تُلزم الدول باتخاذ تدابير وقائية لحماية هذه المواقع في أوقات السلم، واحترامها خلال النزاعات المسلحة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية قد تُعرّضها للتدمير أو التلف.
حظر الأعمال العدائية ضد الممتلكات الثقافية
تنص الاتفاقية على حظر الأعمال العدائية ضد الممتلكات الثقافية، ومنع سرقتها أو نهبها أو تخريبها، كما تحظر اتخاذ إجراءات انتقامية تستهدفها. وتُلزم الدول المحتلة بحماية التراث الموجود في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها والعمل بالتعاون مع السلطات المحلية للحفاظ عليه. ورغم هذا الإطار القانوني، لا تزال المواقع الأثرية والتراثية عرضة للاستهداف في الكثير من النزاعات المعاصرة.
الاستهداف الممنهج للهوية الحضارية
الحروب لا تؤدي فقط إلى خسائر بشرية ومادية، بل تمتد آثارها إلى استهداف الرموز الثقافية التي تُشكل جزءاً من هوية الشعوب وذاكرتها الجمعية. وفي مواجهة هذه التهديدات، تقود منظمات دولية عدة جهوداً لحماية التراث الثقافي، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، التي أطلقت على مدار السنوات الماضية حملات دولية للتوعية بأهمية حماية المواقع التراثية في مناطق النزاع، إلى جانب برامج لتوثيق الأضرار وترميم المواقع المتضرّرة بعد انتهاء الحروب.
تصريحات الخبير القانوني
أكد الدكتور محمد مهران، عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن استهداف أي آثار مدرجة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1984 يُشكل جرائم حرب ثقافية صريحة محظورة بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح التي وقّعتها 133 دولة. وأشار إلى أن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت محيط آثار مدينة صور اللبنانية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي منذ 1984، وأوقعت أضراراً جسيمة بقلعة «الشقيف» الأثرية العائدة لزمن الحملات الصليبية، وفي غزة دمرت «تل السكن» ذا آثار العصر البرونزي، وميناء أنثيدون الروماني، وأحد أكبر مساجدها الجامع العمري التاريخي، بما يمثل جرائم فادحة وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وأوضح أن المادة الرابعة من اتفاقية لاهاي تُلزم الدول بالامتناع عن أي عمل عدائي موجّه ضد الممتلكات الثقافية، وأن بروتوكولها الثاني لعام 1999 يرقى بالاعتداء المتعمّد على ممتلكات ثقافية تحت الحماية المعزّزة لمستوى جريمة حرب. كما أشار إلى أن المادة الثامنة من نظام روما الأساسي تُجرّم توجيه هجمات متعمّدة ضد المباني المخصّصة للدين والتاريخ والفنون. ولفت إلى أن «اليونسكو» منحت في نوفمبر 2024 وأبريل 2026 حماية معزّزة لأكثر من 34 موقعاً تراثياً لبنانياً، إلا أن إسرائيل تجاهلت هذه الحماية تماماً.
سبل الملاحقة القضائية
ونوّه أستاذ القانون الدولي بأن سابقة محكمة الجنايات الدولية في قضية أحمد الفقي المهدي عام 2016 بشأن تدمير مواقع تراثية في مالي أثبتت إمكانية الملاحقة القضائية، لكنها لم تُحقّق الردع المطلوب. وأكد أن المطلوب اليوم تفعيل آليتين متوازيتين: الأولى إحالة ملف الجرائم للمحكمة الجنائية الدولية، والثانية تحريك «اليونسكو» لصلاحياتها عبر اللجنة الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح.
وشدّد «مهران» على أن تدمير التراث لا يُعد ضرراً جانبياً، بل استراتيجياً ممنهجاً لمحو الهوية والذاكرة الحضارية، متابعاً: «القانون الدولي يُسمي هذا بالإبادة الثقافية». وشهدت السنوات الأخيرة مبادرات دولية لمواجهة الاتجار غير المشروع بالآثار المنهوبة من مناطق الصراع، باعتبار أن نهب التراث يُشكل وجهاً آخر من أوجه الاعتداء على الهوية الثقافية للشعوب. وتسعى هذه المبادرات لتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والأجهزة الأمنية لاستعادة القطع الأثرية المسروقة ومنع تهريبها عبر الحدود.



