شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران بهدف إحداث تغيير في النظام، وبعد نحو أربعة أشهر، وقع تحول في بنية السلطة، لكنه لم يكن بالشكل الذي سعت إليه واشنطن وتل أبيب. فقد برز ما يُوصف أحيانًا بـ«الجمهورية الإسلامية 3.0»، وهو نموذج أقرب إلى حكم مجلس عسكري منه إلى دولة دينية تقليدية، مع هيمنة واضحة للحرس الثوري الإيراني على مفاصل القوة.
أهداف الحرب ونتائجها
وفي موازاة ذلك، خاضت واشنطن وتل أبيب الحرب بهدف إنهاء البرنامج النووي الإيراني وتحييد ما تعتبرانه تهديدًا استراتيجيًا، إلا أن نتائج الصراع حتى الآن أفضت إلى إيران أكثر إنهاكًا من جهة، لكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة واستعدادًا للمخاطرة، مع تمسك متزايد بهدفها في تطوير برنامجها النووي، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز».
مذكرة تفاهم منتظرة
وخلال الأسبوع الماضي، تبادلت طهران وواشنطن الاتهامات في سياق محاولات متسارعة لإيجاد مخرج سياسي للحرب. وبحلول أمس الجمعة، ورغم استمرار الخطاب المتبادل حول النفاق وسوء النية، تحدث مسؤولون من الجانبين عن اقتراب التوصل إلى اتفاق أولي، أو ما يعرف بمذكرة تفاهم، مع التأكيد على أنها لم تُعتمد بشكل نهائي بعد. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الاتفاق أصبح أقرب من أي وقت مضى.
ورغم طابعه غير النهائي، فإن مجرد التوصل إلى مذكرة تفاهم من شأنه أن يمنح طهران قدرًا من النفوذ في ظل انخراط الطرفين في مفاوضات أوسع تتناول مستقبل البرنامج النووي الإيراني ودور إيران في مضيق هرمز. ومن المتوقع أن تُترك التفاصيل الأكثر تعقيدًا لجولة تفاوضية تمتد نحو 60 يومًا، قد تنتهي إما بتقدم ملموس أو انهيار كامل للمسار التفاوضي.
جيل إيراني جديد.. أصغر سنًا وأكثر جرأة
وتشير تحليلات إلى أن القيادة الإيرانية الحالية تضم جيلًا أصغر سنًا وأكثر جرأة، في ما يراه بعض الدبلوماسيين السابقين تحولًا من الشرعية الدينية إلى منطق القوة الصلبة. ويعتقد هؤلاء أن إيران باتت تتعامل مع احتمال تجدد الحرب باعتباره سيناريو يمكن احتماله دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها التفاوضية أو الإقليمية.
وتشمل هذه الملفات الإصرار على الاحتفاظ بقدرة تخصيب اليورانيوم حتى لو جرى تعليقها جزئيًا، مع الحفاظ على المعرفة التقنية والبنية التحتية النووية، بما يتيح لإيران لاحقًا الاقتراب من عتبة السلاح النووي دون إنتاجه فعليًا.
ويرى محللون أن الحكومة الإيرانية الجديدة أظهرت قدرة أكبر على التفاوض تحت الضغط، واستعدادًا لتحمل خسائر كبيرة من أجل حماية ما تعتبره مصالح استراتيجية أساسية. ويختلف هذا النهج عن مقاربة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب في 28 فبراير، إذ كان أكثر حذرًا في تفادي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكان يضع قيودًا صارمة على أي توجه نحو امتلاك سلاح نووي.
القيادة الإيرانية أقل التزامًا بالقيود
لكن بعد نجاتهم من الضربات الأولى، باتت القيادة الإيرانية أقل التزامًا بتلك القيود. ويعتقد بعض المراقبين أنها أصبحت أكثر اقتناعًا بأن واشنطن لا تسعى إلى حرب شاملة، وأن إسرائيل تعمل ضمن سقف محدود بفعل القيود الأمريكية، وهو ما شجع طهران على اتخاذ خطوات أكثر جرأة، من بينها استهداف إسرائيل مباشرة بعد ضربات استهدفت حزب الله في لبنان.
كما استخدمت إيران التصعيد العسكري كوسيلة لربط ملفات التفاوض الإقليمي، خصوصًا في لبنان، بالمفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، في حين تفضل إسرائيل فصل هذه المسارات.
ويرى خبراء أن أي اتفاق محتمل قد يتضمن تعليقًا محدودًا للتخصيب، مع تصدير جزء من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل تخفيف جزء آخر إلى مستويات أدنى، بينما تحتفظ إيران ببنيتها النووية الأساسية ومعرفتها التقنية.
وبحسب تقديرات عسكرية، فإن احتفاظ إيران بقدراتها النووية والصاروخية، إلى جانب قدرتها على تعطيل مضيق هرمز، يمنحها أوراق ضغط استراتيجية كبيرة في أي مواجهة مستقبلية.
وفي المقابل، تُظهر طهران استعدادًا لاستخدام أدواتها الاقتصادية والسياسية للمطالبة برفع جزئي أو تدريجي للأصول المجمدة، إضافة إلى تعزيز قدرتها على تصدير النفط رغم القيود المفروضة عليها. كما تستمر إيران في التمسك بمطالب تتعلق بدورها في الملاحة عبر مضيق هرمز، في محاولة لترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في أمن الطاقة العالمي.
ورغم الضغوط الاقتصادية الداخلية المتزايدة، تراهن طهران على أن الطرف الأمريكي، وتحديدًا إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، يسعى لتجنب التصعيد العسكري، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة التفاوضية.



