شهدت مدينتا طهران ومشهد موجة احتجاجات جديدة تعكس حجم الانقسام الداخلي في إيران بشأن مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، حيث خرج محتجون إلى الشوارع رافعين شعارات رافضة لأي تفاهم أو تسوية مرتقبة مع واشنطن، في تطور يضع القيادة السياسية الإيرانية أمام اختبار داخلي صعب في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية المتزايدة.
تصاعد الاحتجاجات في طهران ومشهد
في العاصمة طهران، تجمع محتجون أمام مقر وزارة الخارجية الإيرانية، معبرين عن رفضهم للمسار التفاوضي الحالي، ومطالبين بوقف أي تفاهمات يرون أنها لا تحقق المصالح الوطنية الإيرانية. وردد المشاركون هتافات تنتقد أداء المسؤولين المعنيين بالمفاوضات، معتبرين أن الاتفاق المرتقب يمثل تراجعاً عن مواقف سابقة أعلنتها طهران بشأن ملفها النووي وعلاقاتها مع الغرب.
أما في مدينة مشهد، فقد اتسعت دائرة الغضب الشعبي مع تنظيم وقفات احتجاجية أمام مبانٍ حكومية، حيث وجه المتظاهرون انتقادات مباشرة إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، متهمين إياهما بالمسؤولية عن الدفع نحو تسوية لا تحظى بإجماع داخلي، كما طالب عدد من المحتجين باستقالتهما، في مشهد يعكس تصاعد الضغوط السياسية على رموز إدارة الملف التفاوضي داخل الجمهورية الإسلامية.
انتقادات من التيار المحافظ
تأتي هذه الاحتجاجات بالتزامن مع مواقف صدرت عن شخصيات محسوبة على التيار المحافظ، من بينها أعضاء في البرلمان الإيراني، أعربوا عن تحفظاتهم تجاه مسودة الاتفاق المطروحة، معتبرين أنها تمنح الولايات المتحدة نفوذاً مؤثراً في مستقبل البرنامج النووي الإيراني. واتساع رقعة الانتقادات من الشارع ومن بعض الأوساط السياسية قد يفرض تحديات إضافية على صناع القرار في طهران خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب حسم المفاوضات الجارية وما قد يترتب عليها من انعكاسات داخلية وإقليمية.
تصريحات الخبراء حول الاتفاق المرتقب
في هذا الصدد، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام، إن المنطقة تقف على أعتاب لحظة تاريخية فارقة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة 12 يونيو 2026 التوصل إلى ما وصفه بالتسوية الرائعة مع إيران ووصف مضيق هرمز بأنه سيفتح رسمياً فور توقيع الاتفاق، مشيراً إلى أن ثلاثة مصادر مطلعة كشفت لـ CNN أن مراسم التوقيع على مذكرة التفاهم ستُعقد على الأرجح في جنيف بسويسرا في وقت مبكر من يوم الأحد 14 يونيو بحضور نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، فيما كشف مصدر إيراني أن فيينا أيضاً قيد النظر وأن التوقيع يمكن أن يتم عن بعد.
وأضاف مهران أن المذكرة التي تحمل اسم إعلان إسلام آباد تقديراً للدور المحوري الذي اضطلعت به باكستان وسيطاً طوال أشهر الحرب تتضمن وفق وكالة الأنباء الإيرانية أربعة محاور رئيسية، أولها إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الملاحة الدولية بصورة طبيعية بعد انتهاء الحرب على أن تدير طهران المضيق بالتنسيق مع سلطنة عمان دون أي دور أمريكي في إدارته مستقبلاً، وثانيها رفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية وإنهاء الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان، وثالثها تعهد واشنطن بإلزام إسرائيل بإنهاء الحرب في لبنان، ورابعها تمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً لإجراء مفاوضات نووية منفصلة في اتفاق ثان أكثر تفصيلاً.
وأشار مهران إلى أن التفاوت الصارخ بين الروايتين الأمريكية والإيرانية يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل هذا الاتفاق، مؤكداً أن الوكالة الإيرانية الرسمية شددت على أنه لن يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن الملف النووي في مذكرة التفاهم الحالية ولن تقدم إيران أي التزامات جديدة، في حين أعلن مسؤول أمريكي رفيع أن الاتفاق يفكك البرنامج النووي الإيراني وتحصل الولايات المتحدة على اليورانيوم المخصب من إيران، موضحاً أن مسؤولاً إيرانياً رد على تصريحات ترامب الأمريكية بوضوح تام قائلاً لا نعتقد أنه صادق.
وتابع: "الدور الباكستاني القطري استحق الثناء الأمريكي الصريح إذ أكد المسؤول الأمريكي أن قائد الجيش الباكستاني وقطر كانا شريكين محوريين ساعدا بشكل كبير في الوصول للمرحلة الراهنة"، مشيراً إلى أن المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة تكرس قانونياً دور الوساطة الإقليمية في حل النزاعات الدولية.
وأكد مهران على أن مذكرة التفاهم المرتقبة خطوة أولى ضرورية لكنها ليست الحل الشامل، محذراً من أن أي اتفاق يبقى ناقصاً دون ضمانات دولية ملزمة وآليات رقابة تحت مظلة مجلس الأمن تضمن تنفيذه بحسن نية وفق المادة 26 من اتفاقية فيينا.
اختبار معقد للقيادة الإيرانية
في ظل اقتراب موعد حسم المفاوضات والتوقيع المحتمل على "إعلان إسلام آباد"، تبدو القيادة الإيرانية أمام اختبار معقد يجمع بين تحديات التوصل إلى تفاهمات خارجية واحتواء الاعتراضات الداخلية المتصاعدة. وبينما تراهن الأطراف المعنية على أن تمهد المذكرة لمرحلة جديدة من خفض التوتر في المنطقة، يبقى نجاحها مرهوناً بقدرتها على تجاوز التباينات السياسية داخل إيران، فضلاً عن توفير ضمانات دولية تضمن تنفيذ بنودها وتحول دون عودة التوترات إلى الواجهة مجدداً.



