يكشف تحليل مسيرة الإخوان المسلمين في العراق عن أسباب إخفاق النموذج الإخواني، الذي لم يكن وليد صدفة تاريخية بل نتاج عوامل بنيوية متفاعلة شكلت أزمة هذا النموذج، وفق دراسة لباحث وأكاديمي عراقي في الشؤون السياسية والاستراتيجية.
السياق الاجتماعي والموروث القبلي: عوائق مشروع الدولة
ظهرت في العراق مدارس فقهية وفكرية متعددة عبر التاريخ، من مدرسة الرأي في الكوفة إلى المعتزلة في البصرة، وصولاً إلى المذهب الحنبلي في بغداد. وبعد سقوط الدولة العباسية عام 1258م، استمرت مدن العراق بإنتاج المدارس الكلامية والفقهية رغم تعاقب الاحتلالات حتى قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921م، التي نشأت وسط شروخ بين الشيعة والسنة والعرب والكرد، وبنية قبلية متأصلة شكلت عقبة أمام الوحدة الوطنية.
واجه المجتمع العراقي بعد الحرب العالمية الأولى تأخراً حضارياً نتيجة الإرث العثماني والاحتلال الإنجليزي، مما شكل تحدياً وجودياً للهوية الإسلامية في مواجهة المد التغريبي. وجد قادة الإخوان المسلمين العراقيين أن هذه التحديات نتجت عن التأخر والجهل والجوع والمرض وانعدام التوجيه الإسلامي منذ الدولة العثمانية حتى الاحتلال البريطاني.
الإيجابيات والديناميكيات التاريخية للنموذج العراقي
رغم مآلات المشروع السياسي، كشفت مسيرة الإخوان في العراق عن نقاط قوة مهمة. نجح النموذج الإخواني في بداياته في تقديم صيغة إسلامية عابرة للانقسام العرقي، حيث استقطب نخباً من العرب والأكراد، مثل محسن عبدالحميد وصلاح الدين بهاء الدين. كما أظهرت الجماعة ذكاءً استراتيجياً بعد حرب الخليج الثانية، حيث قادت موجة تدين كبرى تمثلت في الإقبال على المساجد وبنائها بأعداد كبيرة، ونشر الكتاب الإسلامي، والأنشطة الجامعية والعمل الخيري.
بعد عام 2003، أظهر قسم كبير من نخب الإخوان قدرة على تقديم تنازلات أيديولوجية والانتقال نحو فكرة الدولة المدنية الحضارية الديمقراطية، رغم أن البعض اعتبرها انتهازية سياسية.
السلبيات وعوامل الإخفاق
عجزت جماعة الإخوان المسلمين في العراق عن استيعاب ثقل الخارطة المذهبية العراقية (السنية - الشيعية)، إذ طُرح النموذج بمرجعية فكرية سنية خالصة، مما جعل خطابه عاجزاً عن التحول إلى مشروع وطني جامع. وقع إخوان العراق في فخ التبعية الأيديولوجية والتنظيمية للمركز في مصر، وحاولوا إسقاط أدبيات حسن البنا وسيد قطب على واقع عراقي مختلف جذرياً.
ولدت الجماعة من رحم أزمتها الجوهرية، حيث فشلت في المواءمة بين طبيعتها كتنظيم سري وبين احتياجات العمل السياسي العلني، مما خلق ازدواجية تنظيمية أربكت القرار السياسي وأضعفت المرونة. افتقر النموذج للمرونة الاستراتيجية في مواجهة التحولات بعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية عام 1958م، حيث انكفت الحركة نحو السرية بدلاً من صياغة تحالفات علنية.
استغرقت الجماعة في معارك الهوية والأخلاق الاجتماعية والتعليم على حساب صياغة برامج تفصيلية لإدارة السلطة وتفكيك أزمات الاقتصاد، مما تسبب في انكشافها سياسياً عند دخولها معترك الحكم الفعلي. كما أخفقت في مجاراة الأحزاب الأيديولوجية العلمانية، خاصة الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي، حيث تعرضت للملاحقة الشرسة بعد وصول البعث إلى السلطة عام 1968م، واضطرت لإيقاف التنظيم وتجميد العمل التنظيمي عام 1970.
تحولات ما بعد 2003
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، برزت ثلاث واجهات سياسية للإخوان: الحزب الإسلامي العراقي، وحزب العدالة التركماني العراقي، والاتحاد الإسلامي الكردستاني. واجه النموذج الإخواني إشكالات واضحة في التعاطي مع الديمقراطية والسيادة الوطنية، حيث أعلنوا معارضتهم الرسمية للحرب لكنهم سارعوا للمشاركة مع سلطة الاحتلال عبر الانخراط في المجلس الانتقالي للحكم، مما أحدث شرخاً بنيوياً داخل المنظومة الإخوانية.
تشير المصادر إلى أن جزءاً كبيراً من تشكيلات المقاومة العراقية التي تداخلت مع التنظيمات الإرهابية كان ينتمي فكرياً إلى الإخوان، مثل الجيش الإسلامي في العراق وحماس العراق. عانت الجماعة من انقسامات حركية وسياسية عميقة أضعفت وزنها الاستراتيجي، وشهدت انشقاقات مثل حركة العدل والإحسان التي تشكلت عام 2013 كامتداد لجماعة الإخوان، وتضم شخصيات إخوانية منشقة عن الحزب الإسلامي أبرزهم محسن عبدالحميد ونصير العاني وصهيب الراوي وإسماعيل النجم.
الخاتمة: لماذا أخفق النموذج الإخواني في العراق؟
النتيجة المحورية هي أن إخفاق النموذج الإخواني كان نتاجاً حتمياً لثلاثة عوامل بنيوية: أولاً، العجز عن تجاوز المركزية المذهبية في بيئة مجتمعية متعددة، مما أدى إلى انحسار التنظيم وتقوقعه داخل هوية فرعية. ثانياً، التصادم مع موازين القوى الداخلية وغياب مرونة المناورة، حيث آثرت الحركة الانكفاء والهروب إلى الانغلاق التنظيمي والعمل السري عند كل منعطف حرج. ثالثاً، غياب رؤية الدولة والاستغراق الاجتماعي، حيث تسببت المعارك المستمرة حول الهوية والأخلاق في استنزاف طاقات الجماعة وتجاهل تعقيدات إدارة السلطة.
تتجاوز التجربة العراقية حدودها لتتحول إلى مختبر تحليلي يكشف المأزق الأعمق لحركات الإسلام السياسي العربي: العجز البنيوي عن الفصل بين الجانب الدعوي بمبادئه الأخلاقية والجانب السياسي الحزبي بمتطلباته التكتيكية. أثبت النموذج العراقي أن التمسك بالشعارات الشمولية في مجتمعات تعاني من أزمات هوية لا يقود إلى تمكين المشروع بل إلى تآكله تدريجياً، ويؤول بالحركة الإسلامية من ريادة البناء الوطني إلى الانعزال التام والوقوع ضحية صراعات الهويات الفرعية والازدواجية البراجماتية.



