الإسلام السياسي: وعد بديل أم جزء من الأزمة؟
وُلدت الحركة الإسلامية الحديثة في لحظة تاريخية فارقة اتسمت بانسداد الآفاق وفشل المشاريع التنموية الكبرى. كانت المجتمعات العربية تبحث عن خلاص من ثلاثية الهزيمة والتخلف والتبعية التي ميزت مرحلة ما بعد الاستعمار. في هذا الفراغ الفكري والسياسي، وبعد تعثر المشاريع القومية واليسارية، وجدت قطاعات واسعة في الإسلام السياسي وعداً بديلاً وملاذاً أخلاقياً. قدم هذا التيار نفسه مشروعاً حضارياً شاملاً لا يكتفي بإصلاح قشور السياسة، بل يعد بإعادة بناء جذرية للإنسان والدولة والمجتمع وفق تصورات عقدية.
لكن أكثر من نصف قرن من الممارسة السياسية والتنظيمية كشف أن هذه الحركات، بقدر ما ادعت امتلاك "مفتاح الحل"، كانت في واقع الأمر جزءاً من الأزمة البنيوية. أعادت إنتاج أنماط التسلط والأزمات في أشكال جديدة، بدلاً من بناء مشروع نهضوي جامع يستوعب التعددية وتحديات العصر. الأطروحة الأساسية هنا هي أن أفول هذه الحركات لم يكن مجرد نتيجة لضغوط خارجية أو مؤامرات، بل كان في جوهره نتاجاً لقابلية داخلية للانفجار، أي استعداداً بنيوياً تأسست عليه الفكرة نفسها، مما جعلها تتعثر عند أول اختبار حقيقي، لأنها بُنيت على مقدمات خاطئة وأجوبة قاصرة.
شعار بلا محتوى: اختزال الأزمة الحضارية
اختزلت الحركات الإسلامية سؤال النهضة المعقد في شعار عاطفي بسيط وجذاب: "الإسلام هو الحل"، دون تقديم تعريف دقيق لطبيعة الأزمة الهيكلية أو وضع تصور استراتيجي متكامل لبناء القوة الحضارية في عالم تحكمه التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. بالنسبة لأجيال كاملة نشأت في ظل الانكسارات المتتالية، بدا هذا الشعار كوصفة سحرية وإجابة جاهزة عن أسئلة الهزيمة الحضارية.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تكن في السؤال المشروع الذي طرحه رواد الإصلاح الأوائل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وإنما في طبيعة الجواب التبسيطي الذي قدمته هذه الحركات، والذي افترض أن استعادة الأمجاد ليست سوى مسألة إرادة إيمانية وتطبيق للشعائر، متجاهلاً السنن الكونية في النهوض الحضاري. جرى اختزال أزمة تاريخية مركبة، تتداخل فيها أبعاد معرفية واقتصادية ومؤسسية، في تفسير واحد يتمحور حول الابتعاد عن الدين. عندما يتحول الدين من مصدر للقيم إلى تفسير شامل لكل الظواهر، يتحول المشروع السياسي إلى كيان يعتقد أنه يمتلك الإجابة النهائية عن أسئلة الواقع، وهنا تبدأ المشكلة لأن الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختزل في عامل واحد.
نمط متكرر: تجارب السلطة في العالم العربي
تكشف المحطات الكبرى في تاريخ هذا التيار أن اختلاف السياقات لم يمنع تكرار الإشكال البنيوي ذاته. في الجزائر، أدى انسداد الأفق السياسي مطلع تسعينات القرن الماضي إلى انزلاق دموي دفع المجتمع كله ثمنه، في ظل غياب حاجز فكري يردع العنف. في تونس، انتهت حركة النهضة إلى سلسلة من التنازلات السياسية التي مكنتها من البقاء تنظيمياً، لكنها أضعفت خصوصيتها النظرية وتأثيرها الفكري.
في المغرب، كشفت تجربة حزب العدالة والتنمية حدود المشروع، حين تلاشت الفوارق الجوهرية بين سياساته وسياسات الأحزاب المحافظة التقليدية، باستثناء بعض القضايا الرمزية. في مصر، قدمت جماعة الإخوان المسلمين التجربة الأكثر دلالة؛ إذ كشف عام الحكم القصير (2012-2013) الهوة بين كفاءة التنظيم وكفاءة الدولة. أظهرت التجربة أن القدرة على التعبئة لا تعني بالضرورة القدرة على الحكم، وأن إدارة تنظيم مغلق تختلف جذرياً عن إدارة مؤسسات دولة معقدة. لم تكن المشكلة مرتبطة بالأشخاص وحدهم، بل بطريقة التفكير؛ فالحركات التي اعتادت النظر إلى المجتمع من زاوية "الدعوة" عجزت عن إدارة ملفات الاقتصاد والعلاقات الدولية والأمن. عند تتبع الحصيلة الاقتصادية لهذه التجارب، نجد أنها لم تخرج عن المنطق السائد إلا بطلاء هوياتي محدود، وانحصرت الفوارق في قوانين الأسرة والخدمات الاجتماعية.
العنف: الهدية الاستراتيجية للخصوم
من أكثر إشكاليات الإسلام السياسي كلفة علاقته الملتبسة بالعنف. حين يُغلق المجال السياسي، تفتقر بعض مكوناته إلى حصانة فكرية تحول دون الانزلاق نحو العمل المسلح. مثل هذا الانزلاق كان هدية استراتيجية لخصومها؛ إذ منحت كل عملية إرهابية الأنظمة السلطوية ذريعة لتوسيع القمع، وتقييد الحريات، وتعطيل مسارات الإصلاح. شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لحظة مفصلية، إذ أصبح من السهل الخلط بين المعارضة السياسية والتطرف. المفارقة أن الحركات المعتدلة دفعت الثمن الأكبر، فوجدت نفسها محاصرة بين أنظمة تستثمر المخاوف الأمنية، وأجنحة متشددة ترى في القمع مبرراً لمزيد من التطرف.
الاختبار الأوروبي: حدود المشروع في الفضاء الديمقراطي
إذا كانت تجارب العالم العربي قد كشفت حدود المشروع عند الاحتكاك بالسلطة، فإن التجربة الأوروبية كشفت حدوداً أخرى. وفرت الهجرة لهذه الحركات مساحة واسعة للتنظيم والتعبير، واستطاعت بناء شبكات من المؤسسات والمساجد. غير أن هذه البيئة نفسها كشفت محدودية مشروعها؛ فالمجتمعات الأوروبية الحديثة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة، وإنتاج المعرفة، لا على المرجعية الدينية بوصفها أساساً للمجال العام. تعد فرنسا، في هذا السياق، المثال الأبرز والأكثر إثارة للجدل، حيث يصطدم مشروع الإسلام السياسي بالنموذج الجمهوري القائم على اللائكية الصارمة، وحياد الدولة، ووحدة الفضاء المدني.
خلال السنوات الأخيرة، انتقلت الدولة الفرنسية من مرحلة المراقبة السلبية إلى تبني استراتيجية أكثر تشدداً في التعامل مع شبكات الإسلام السياسي، ولا سيما تلك المرتبطة فكرياً أو تنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين. شملت هذه الإجراءات تجفيف مصادر التمويل الخارجي، وتشديد شروط العمل الجمعوي، وفرض "ميثاق المبادئ" الذي يؤكد الالتزام بقيم الجمهورية. اللافت في هذه التجربة أن المواجهة لا تجرى مع أنظمة سلطوية، بل داخل ديمقراطيات ليبرالية عريقة تقوم أصلاً على حماية الحقوق والحريات. هذا يضع الحركات الإسلامية أمام اختبار حقيقي، إذ يكشف أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بموازين القوى السياسية، بل بمدى قدرة المشروع الإسلامي على التكيف البنيوي مع مجتمعات ترى أن مصدر الشرعية الوحيد هو القانون والمؤسسات المنتخبة، لا المرجعيات العقائدية أو التأويلات اللاهوتية.
ما بعد الإسلام السياسي: نهاية مرحلة لا نهاية فكرة
الحصار القانوني والمؤسساتي يرفع كلفة الحركة، لكنه لا ينهي الظاهرة وحده؛ فالأفكار لا تموت بسقوط تنظيماتها، وهي قادرة على إعادة إنتاج نفسها ما دامت أسئلة الهوية والعدالة والتهميش قائمة. غير أن ما يواجه حدوده اليوم ليس الدين، بل الاعتقاد بأن تفسيراً واحداً للتاريخ قادر على صناعة المستقبل. النهضة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بتفاعل المعرفة والمؤسسات والاقتصاد والقانون والثقافة. كل مشروع يختزل هذه المنظومة في عنصر واحد يحكم على نفسه بالاصطدام بالواقع. ما نشهده اليوم ليس نهاية الإسلام السياسي بقدر ما هو نهاية مرحلة من فهم السياسة والمجتمع؛ مرحلة اعتقدت أن امتلاك "الحقيقة المطلقة" يمنح القدرة على قيادة الواقع، فاكتشفت أن الواقع أكثر تعقيداً من أي اختزال. الاحتراق الحقيقي لا يبدأ حين تواجه هذه الحركات خصومها، بل حين تواجه واقعاً لا يشبه التصورات الذهنية التي بنت عليها مشروعها طوال عقود.



