اتفاق ترامب مع إيران يهدئ الأسواق ويقسم الجمهوريين حول مضيق هرمز
اتفاق ترامب مع إيران يهدئ الأسواق ويقسم الجمهوريين

في الشرق الأوسط، لا تتوقف تداعيات الحروب عند حدود ساحات القتال، بل تمتد سريعا إلى أسواق الطاقة وموازين السياسة الدولية. ومع كل أزمة تهز أسواق الطاقة العالمية، يعود مضيق هرمز إلى الواجهة بصفته أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي والسياسي في العالم.

اتفاق مفاجئ يهدئ الأسواق

بينما تترقب العواصم الكبرى مآلات المواجهة بين واشنطن وطهران، جاء الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع القيادة الإيرانية ليمنح الأسواق جرعة من الهدوء بعد أسابيع من التوتر، لكنه في الوقت ذاته فتح أبوابا واسعة للجدل داخل الولايات المتحدة، خاصة بين أوساط الحزب الجمهوري الذي وجد نفسه منقسما بين مؤيد لإنهاء الصراع ومعارض يرى في الاتفاق تنازلا استراتيجيا لإيران.

واتفقت إدارة ترامب والقيادة الإيرانية، الأحد، على مجموعة من الشروط لإنهاء الصراع بين البلدين وإعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة انعكست سريعا على الأسواق العالمية التي أبدت ارتياحا ملحوظا تجاه احتمالات عودة الاستقرار إلى أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ورغم أن الاتفاق يمنح ترامب فرصة للخروج من حرب أثبتت استطلاعات الرأي عدم شعبيتها لدى قطاع واسع من الأمريكيين، فإنه يضعه في مواجهة انتقادات حادة من شخصيات جمهورية بارزة وحلفاء سياسيين يرون أن بنود التفاهم قد تمنح طهران مكاسب لا تستحقها.

انتقادات جمهورية متصاعدة

ومع بداية الأسبوع، شن عدد من الجمهوريين المعروفين بتبنيهم مواقف متشددة تجاه إيران هجوما لاذعا على الاتفاق، معتبرين أنه يمثل تراجعا أمريكيا أمام طهران. وكتب الناشط المحافظ إريك إريكسون على منصة "إكس" أن "ترامب استسلم لإيران"، في تعبير عكس حجم الغضب داخل بعض الدوائر المحافظة.

كما أبدى السيناتور لينزي جراهام، أحد أبرز حلفاء ترامب والداعمين للعمل العسكري ضد إيران، مخاوفه من وجود اختلاف بين الرواية الإيرانية والرواية الأمريكية بشأن طبيعة الاتفاق، مؤكدا أنه يشعر بـ"القلق إلى حد ما" حيال تفاصيل التفاهم المعلن. في المقابل، سعى نائب الرئيس جيه دي فانس إلى احتواء الانتقادات، مؤكدا أن إيران لن تحصل بشكل فوري على أصولها المجمدة، وأن الإفراج عن أي أموال سيظل مشروطا بتنفيذ معايير محددة تتعلق ببرنامجها النووي.

اختبار جديد لوحدة الحزب الجمهوري

ويأتي الجدل في وقت يواجه فيه الحزب الجمهوري تحديات سياسية متزايدة قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، حيث يسعى للحفاظ على أغلبيته المحدودة في مجلسي النواب والشيوخ. وهذا الاتفاق قد يعيد إلى الواجهة الانقسام المزمن داخل الحزب بين تيار يدعو إلى تقليص التدخل الأمريكي في الخارج، وآخر يتمسك بسياسة القوة والضغط العسكري، ما قد يمنح الديمقراطيين فرصة لتصوير الجمهوريين كحزب يعاني من اضطرابات داخلية وخلافات استراتيجية عميقة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تأثير محدود على المستهلك الأمريكي

وعلى الصعيد الاقتصادي، يتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى تراجع تدريجي في أسعار الوقود، غير أن هذا الانخفاض قد لا يكون سريعا أو كافيا لطمأنة الناخب الأمريكي قبل الانتخابات المقبلة. فأسعار البنزين مرشحة للبقاء فوق مستويات ما قبل الحرب لفترة من الزمن، ما يعني استمرار الضغوط على المستهلكين الذين تأثروا بارتفاع تكاليف الطاقة خلال الأشهر الماضية.

تحليل قانوني للاتفاق

وفي هذا الصدد، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، إن التسريبات المتداولة بشأن مسودة مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تشير إلى وجود إطار قانوني وسياسي متكامل يهدف إلى إنهاء الصراع وتهيئة الأجواء لمرحلة جديدة من التفاوض، موضحا أن البنود المطروحة تعكس سعيا متبادلا لاحتواء تداعيات الحرب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.

وأضاف مهران- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن البنود المتعلقة بوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع القيود المفروضة على حركة التجارة والنفط تمثل مؤشرات مهمة على رغبة الطرفين في تجنب مزيد من التصعيد، خاصة أن المضيق يعد شريانا حيويا للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يفسر حالة الارتياح التي شهدتها الأسواق عقب الإعلان عن التفاهمات الأولية.

وأشار مهران، إلى أن أحد أبرز عناصر القوة في المذكرة يتمثل في الاتجاه نحو إضفاء طابع قانوني ودولي على أي اتفاق نهائي من خلال اعتماده بقرار من مجلس الأمن، وهو ما يمنحه قدرا أكبر من الاستقرار والالتزام مقارنة بالاتفاقات السابقة التي واجهت صعوبات في التنفيذ أو الاستمرار.

وأوضح أستاذ القانون الدولي، أن نجاح الاتفاق سيظل مرهونا بقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأكثر تعقيدا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والقضايا الأمنية الإقليمية، وهي ملفات جرى تأجيلها إلى مرحلة التفاوض التالية، الأمر الذي يجعل الاتفاق الحالي خطوة مهمة نحو التهدئة لكنه لا يمثل بالضرورة حلاً نهائياً لكافة نقاط الخلاف بين الجانبين.

وأكد مهران، أن الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة بشأن الاتفاق يعكس حجم الرهانات السياسية المرتبطة به، لافتا إلى أن أي تفاهم مع إيران يظل عرضة لانتقادات من التيارات الأمريكية المتشددة التي ترى أن الضغوط والعقوبات هي الوسيلة الأكثر فاعلية للتعامل مع طهران، في حين ينظر أنصار الاتفاق إلى التفاهم باعتباره فرصة لتجنب مواجهة طويلة الأمد قد تكون مكلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وشدد على أن تحقيق استقرار دائم في المنطقة يتطلب معالجة أوسع للأزمات الإقليمية القائمة، مؤكدا أن أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد ستظل بحاجة إلى مقاربة شاملة تتعامل مع مختلف بؤر التوتر في الشرق الأوسط، بما يضمن تحويل التهدئة الحالية إلى استقرار مستدام.

آفاق إعادة فتح المضيق

والجدير بالذكر، أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تتم بصورة كاملة قبل يوم الجمعة المقبل، وفق الترتيبات المعلنة، وهو ما يعني أن عودة تدفقات النفط إلى معدلاتها الطبيعية قد تستغرق أسابيع وربما أشهرا، في ظل استمرار القيود على الإمدادات وجهود دول الخليج لزيادة الإنتاج وإصلاح البنية التحتية التي تضررت خلال فترة التصعيد. وبينما تنظر الأسواق إلى الاتفاق باعتباره خطوة مهمة نحو تهدئة واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في المنطقة، يبقى السؤال الأهم مرتبطا بقدرة واشنطن وطهران على تحويل التفاهم الأولي إلى اتفاق مستدام يصمد أمام الضغوط السياسية الداخلية والتحديات الإقليمية المعقدة.