لم يعد السؤال المطروح في المنطقة يتعلق بإمكانية اندلاع مواجهة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، بل بات يدور حول الجهة القادرة داخل طهران على إنهاء الحرب والانتقال من المواجهة العسكرية إلى التفاهم السياسي. فبعد أسابيع من التصعيد العسكري المتبادل، تتجه إيران والولايات المتحدة نحو توقيع مذكرة تفاهم في جنيف، عقب وساطات إقليمية ودولية مكثفة، وسط مخاوف من تداعيات الحرب على أمن الطاقة والملاحة في الخليج، وفقًا لوسائل إعلام عربية.
التفاهم لا ينهي أسئلة السلطة
لا يبدو التفاهم المرتقب مجرد اتفاق سياسي تقليدي، بل محاولة لاحتواء آثار مواجهة دفعت المنطقة إلى حافة اضطرابات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصًا مع التوتر في مضيق هرمز والضغوط المتزايدة على حركة التجارة وإمدادات النفط العالمية. لكن هذه التطورات أعادت طرح سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك فعليًا قرار الحرب والسلم داخل إيران؟
أفادت تقارير في وسائل إعلام عربية بأن الحرب الأخيرة وما رافقها من تغييرات في قمة هرم السلطة، إضافة إلى الخسائر التي تعرضت لها المؤسسات العسكرية والأمنية، كشفت عن بنية حكم أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
من القيادة الفردية إلى مراكز النفوذ
في طهران لم تعد السلطة تُدار عبر مركز واحد، بل باتت أشبه بشبكة متداخلة تضم مكتب المرشد الأعلى، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والأجهزة الأمنية، إلى جانب الحكومة والبرلمان وشبكات النفوذ غير الرسمية. وأدت الحرب إلى تعزيز منطق الطوارئ داخل مؤسسات الدولة، حيث أصبحت الاعتبارات الأمنية أكثر حضورًا من الإجراءات المؤسسية التقليدية، ما جعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا وتعددًا في مستوياتها.
تشير تقديرات غربية إلى أن القرار الإيراني يمر عبر دوائر متعددة للمراجعة والمصادقة، وهو ما يزيد من بطء عملية صنع القرار، خاصة في الملفات الحساسة المتعلقة بالحرب أو التفاهمات الخارجية.
مجتبى خامنئي.. الشرعية الغائبة
في قلب المشهد الإيراني يبرز مجتبى خامنئي باعتباره المرجعية الدستورية العليا وصاحب الصلاحيات المرتبطة بمنصب الولي الفقيه والقائد الأعلى للقوات المسلحة. إلا أن محدودية ظهوره العلني فتحت الباب أمام تصاعد دور الشبكات الأمنية والعسكرية المحيطة بمكتب المرشد، الأمر الذي عزز نفوذ شخصيات أمنية بارزة لعبت أدوارًا مؤثرة في إدارة الملفات الحساسة داخل الدولة. وفي نظام اعتاد الحضور الرمزي المباشر للمرشد، أدى غياب هذا الحضور إلى اتساع نفوذ الوسطاء الأمنيين والعسكريين في عملية صناعة القرار.
الحرس الثوري.. القوة الأكثر تأثيرًا
يظل الحرس الثوري أحد أبرز مراكز القوة في إيران، غير أنه لم يعد كتلة موحدة كما كان في السابق، بل أصبح يضم مراكز نفوذ عسكرية وأمنية واقتصادية متعددة. وقد أدت الخسائر التي لحقت بقيادات بارزة إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة، بالتزامن مع ظهور تنافس بين شبكات مختلفة تسعى إلى تعزيز مواقعها داخل النظام. كما كشفت تسريبات وتقارير سابقة عن وجود صراعات داخلية تتعلق بالنفوذ والموارد الاقتصادية، وهو ما يعكس أن التنافس داخل الحرس يتجاوز الجوانب العسكرية إلى إعادة تشكيل موازين السلطة نفسها.
المجلس الأعلى للأمن القومي
مع تصاعد الطابع الأمني للدولة، برز المجلس الأعلى للأمن القومي باعتباره أحد أهم مراكز صنع القرار، حيث تتداخل داخله مؤسسات الدولة مع الأجهزة العسكرية والأمنية وممثلي المرشد. ولم يعد المجلس يؤدي دورًا تنسيقيًا فحسب، بل تحول إلى غرفة إدارة فعلية للسياسات المرتبطة بالحرب والأمن القومي، في ظل انتقال متزايد نحو منطق الأمن الصلب في إدارة الدولة.
الحكومة والمؤسسات المدنية
أما الحكومة بقيادة مسعود بزشكيان، فتبدو أقرب إلى إدارة الملفات اليومية للدولة، مع محدودية تأثيرها في القضايا الاستراتيجية الكبرى مثل الأمن الإقليمي والبرنامج النووي والسياسات الدفاعية. وفي المقابل، تؤدي السلطة القضائية دورًا متزايدًا في ضبط الداخل من خلال الإجراءات القانونية والأمنية، ما جعلها جزءًا من منظومة الردع السياسي في البلاد.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة انتقالية تعيد رسم موازين السلطة داخل النظام. فبينما يحتفظ مجتبى خامنئي بالشرعية الدستورية العليا، بات القرار الفعلي يمر عبر شبكة معقدة تضم الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي والحلقات الأمنية المرتبطة بمكتب المرشد. ومع اقتراب التفاهم المرتقب مع واشنطن، تواجه طهران اختبارًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على تماسكها الداخلي، ومنع تحول أي اتفاق خارجي إلى ساحة جديدة للتنافس بين مراكز القوة المختلفة.



