لماذا يحرق المستوطنون المساجد؟ هجمات إسرائيلية منظمة تستهدف المقدسات الدينية
في ظل تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، باتت المساجد والمقامات الدينية هدفًا متكررًا لاعتداءات تشمل الحرق والتخريب وكتابة شعارات تحريضية، مما دفع جهات فلسطينية إلى التحذير من خطورة هذه الممارسات التي قد تسهم في تحويل الصراع السياسي إلى مواجهة ذات طابع ديني.
استهداف مسجدين في رام الله
في أحدث الهجمات، استهدف المستوطنون مسجدين في محافظة رام الله، تخللها عمليات حرق وتدنيس وكتابة شعارات معادية على جدرانهما، وذلك بعد يوم واحد من حرق مسجد بقرية جلجليا، وبعد يومين فقط من حرق مسجد آخر في هجوم استهدف بلدتي دير دبوان وبرقا شرق رام الله.
أكثر من 50 اعتداء منذ 2025
وبحسب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، شهدت الضفة الغربية المحتلة أكثر من 50 اعتداء على المساجد والمقامات الدينية منذ مطلع عام 2025، ضمن مخطط إسرائيلي ممنهج يستهدف دور العبادة. من جهتها، أدانت الخارجية الفلسطينية إحراق المستوطنين للمساجد، مشددة على أن تلك الجريمة تستهدف الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية وتنتهك أبسط القوانين والمبادئ الإنسانية والأعراف الدولية.
من يقف وراء استهداف دور العبادة؟
تشير التقارير إلى أن مجموعة "فتية التلال" المتطرفة تقف وراء هذه العمليات المنظمة، حيث يتحرك أعضاؤها في مجموعات صغيرة لتنفيذ هجمات خاطفة. ويرى مراقبون أن هذه المجموعات تهدف من خلال سياسة الترهيب بالحرق إلى دفع السكان الفلسطينيين لترك أراضيهم وقراهم لتسهيل التوسع الاستيطاني. "فتية التلال" هي تنظيم صهيوني يضم مجموعات شبابية استيطانية متطرفة، تنشط في الضفة الغربية المحتلة، وتأسست عام 1998، وتتكون من مستوطنين شباب صهاينة يستهدفون إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية، بتحريض من قيادات بارزة داخل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
كيف تدعم حكومة نتنياهو حرق دور العبادة؟
تحظى مجموعات "فتية التلال" الاستيطانية بدعم وغطاء سياسي من اليمين الإسرائيلي، حيث رصدت الحكومة الإسرائيلية مخصصات مالية يومية لتمويل عناصرها وتسكينهم في البؤر الاستيطانية العشوائية والمزارع المعزولة. ويمتد التنظيم، الذي مولته حكومة نتنياهو بنحو مليون و600 ألف دولار يقدم على شكل قسائم يومية للغذاء والملابس، ليشمل "فتيات التلال"، اللاتي يستخدمن استراتيجيات "الاستيطان الناعم" عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتأسيس بؤر جديدة والترويج لها.
أهم الشخصيات الحكومية الداعمة
يعد وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش أحد أهم الفاعلين الحكوميين الداعمين لتنظيم "فتية التلال" و"فتيات التلال"؛ لكن وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك تبقى الذراع الأطول في دعم تلك المجموعات العنصرية؛ حيث تصف ستروك، والتي تعرف إعلاميا بـ"المتوحشة"، المستوطنين المعتدين بـ"الأبطال" وتدعم تسليحهم. وترتبط أفكار ستروك وسياساتها بـ"فتيات التلال" التي انطلقت في أواخر التسعينات من القرن الماضي بتشجيع من وزير الأمن آنذاك السفاح آرييل شارون كحركة استيطانية متطرفة تعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض عبر إقامة بؤر استيطانية عشوائية في مناطق فلسطينية.
تقوم فكرة حركة "فتيات التلال" على مجموعة من المستوطنات اللاتي خدمن بجيش الاحتلال الإسرائيلي، وبعد ذلك تركن الحياة بالمدينة لكي يعشن في خيام ومساكن بدائية فوق التلال، ويقدمن أنفسهن كجزء من "المشروع الصهيوني التوراتي"، ولا يخفين دعمهن لمزاعم "إسرائيل الكبرى"، و"التضحية من أجل الأرض الموعودة التي تمتد لتشمل أراض في المنطقة العربية برمتها"، ما دفع جريدة "تايمز أوف إسرائيل" لوصف هذه الحركة بأنها "أعظم مشروع صهيوني". وهناك أيضا قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي آفي بلوط، والذي يتبنى منذ توليه منصبه في 8 يوليو 2024، استراتيجية أمنية تقوم على التصعيد المتواصل في الضفة الغربية المحتلة، من خلال خلق خطوط تماس لا تهدأ بين المستوطنين وأصحاب الأرض الفلسطينيين، بما يسمح له بالتدخل الدائم تحت زعم "مكافحة الإرهاب"، محولا القرى الفلسطينية إلى نقاط اشتباك مفتوحة، لا تعرف الاستقرار ولا تنطفئ فيها شرارة المواجهة.
لماذا يحرقون المساجد؟
يرجع المستوطنون الذين ينفذون هذه الاعتداءات أفعالهم إلى دوافع أيديولوجية ودينية وقومية متشددة، بدوافع عدة أهمها الترهيب والضغط على السكان الفلسطينيين؛ حيث ينظر إلى حرق المساجد أو تخريبها كوسيلة لبث الخوف ودفع السكان إلى مغادرة مناطق معينة، خاصة في القرى القريبة من المستوطنات. كما يتبنى المستوطنون –المدعومين حكوميا- سياسة تعرف بـ"تدفيع الثمن"، وهو مصطلح ظهر في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويعني إجبار الفلسطينيين على دفع ثمن باهظ مقابل أي قرار تتخذه الحكومة الإسرائيلية يضر بالمصالح الاستيطانية مثل إخلاء بعض البؤر العشوائية أو كرد فعل على هجمات فلسطينية؛ وتستهدف سياسة "تدفيع الثمن" الممتلكات الفلسطينية ودور العبادة، سواء كانت مسيحية أو إسلامية.
ما علاقة مفهوم "يهودية الدولة" بالاعتداءات على دور العبادة؟
تنظر الحكومة الإسرائيلية والجماعات الاستيطانية المتشددة إلى أجزاء من الضفة الغربية باعتبارها أرضا يهودية خالصة، ما يدفعهم إلى استهداف رموز دينية إسلامية أو مسيحية، وتدنيس المساجد والكنائس وكتابة عبارات مسيئة على جدرانها، بهدف استفزاز المشاعر الدينية وإشعال مواجهات أوسع قد تأخذ طابعا دينيا، وتدعم مفهوم "يهودية الدولة". ويؤيد نتنياهو بشدة "يهودية الدولة"، بزعم أن "إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي"، وجعل من هذا الاعتراف شرطا أساسيا لأي تسوية سلمية، وقاد جهودا تشريعية وسياسية لترسيخ هذه الهوية على مدار مسيرته السياسية، كان أهمها قانون القومية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في عام 2018.



