في كتاب جديد بعنوان «محور أوراسيا.. حرب المائة عام القادمة»، تقدم الكاتبة يسرا زهران تحليلاً عميقاً للصراع الجيوسياسي الذي تخوضه الولايات المتحدة مع محور يضم روسيا والصين وإيران، معتبرة أن أمريكا «التائهة» تواجه تحدياً استراتيجياً غير مسبوق.
ما هي أوراسيا؟
يحدد المؤلفان خريطة أوراسيا بأنها تضم أوروبا (حتى جبال الأورال)، والشرق الأوسط (من الخليج الفارسي إلى شمال أفريقيا)، وآسيا (خاصة الهند الصينية وشبه القارة الهندية). كل منطقة لها دور مميز: أوروبا مركز المال والتكنولوجيا، وآسيا تملك القدرة التصنيعية الكبرى، والشرق الأوسط مركز الطاقة والتجارة.
أهمية أوراسيا الإستراتيجية
يشير الكتاب إلى أن 70% من سكان العالم والقوة العاملة يتركزون في أوراسيا، وتمتلك ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتنتج ثلاثة أرباع الإنتاج الفكري والعلمي، و70% من الحبوب الغذائية، وثلثي اللحوم، وأكثر من ثلثي احتياطي النفط، و70% من صادرات البتروكيماويات. كما تهيمن الصين على سوق المعادن النادرة والحرجة.
صعود محور أوراسيا الجديد
يرى الكتاب أن المحور الجديد (روسيا-الصين-إيران) بدأ يتشكل منذ 2010، لكن الولايات المتحدة فشلت في التصدي له بسبب التخبط الاستراتيجي منذ التسعينيات. ويضيف: «كانت الولايات المتحدة تتخبط في فترة التسعينيات، ولا تعنيها الاعتبارات الاستراتيجية. ظلت متورطة في محاولات بلا جدوى لتغيير شكل المنطقة، وأمضت الفترة منذ 2010 في محاولات التراجع». أدى ذلك إلى تسارع الاضطرابات: زادت إيران تحركاتها في سوريا والعراق، واجتاحت روسيا أوكرانيا، وأظهرت الصين سعيها للسيطرة على بحر الصين الجنوبي.
المدارس الفكرية الثلاث في الاستراتيجية الأمريكية
يقسم الكتاب التيارات الفكرية في واشنطن إلى ثلاث: الليبرالية الدولية (التي تركز على المؤسسات الدولية والتحالفات)، وآسيا أولاً (التي ترى الصين التهديد الأكبر وتدعو للتركيز عليها)، والمدرسة الأوراسية (التي ترى أن الصراع يدور على كتلة أوراسيا بأكملها). وينتمي المؤلفان إلى المدرسة الأوراسية، معتبرين أن السيطرة على منطقة واحدة فقط كافتراضية مثل «آسيا أولاً» هو خطأ استراتيجي فادح.
لماذا تفشل استراتيجية آسيا أولاً؟
يقول الكتاب: «إن منطق تيار آسيا أولاً الذي ينظر إلى الطموح الصيني باعتباره التهديد الأعظم، إن لم يكن الوحيد، هو من الناحية الاستراتيجية منطق غير عقلاني. إن الولايات المتحدة تواجه تنافساً قادماً من منطقة أوراسيا سوف يستمر على المدى البعيد، ولا يمكن لها الفوز إلا من خلال احتواء وإضعاف قدرة المحور الجديد في أوراسيا، وذلك بتحقيق مكاسب صغيرة في مناطق مختلفة على امتداد الوقت حتى تتجمع في تغيير أوسع». ويضيف أن تبنّي سياسة هجومية في أوروبا والشرق الأوسط يمنح أمريكا أوراق ضغط على آسيا ويقلل تكلفة حرب كبرى.
المحور الجديد: تماسك أم هشاشة؟
يشير الكتاب إلى أن المحور الجديد يفتقد التماسك الفكري للكتلة الشيوعية السابقة، بل هو أقرب لمحور ألمانيا-إيطاليا-اليابان في الحرب العالمية الثانية. هناك إمكانية لانشقاقات على المدى البعيد بين روسيا والصين وإيران، لكن على المدى القريب (عقد على الأقل) سيظل هناك اصطفاف أساسي للمصالح وكراهية مشتركة لأمريكا.
توصيات استراتيجية
يدعو المؤلفان إلى استراتيجية «التسلسل الاستراتيجي»: استخدام كل جزء من أوراسيا لمنح تفوق على الأجزاء الأخرى، مع الحفاظ على تحالف يضم أوروبا والناتو وأوكرانيا والممالك العربية وإسرائيل وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان والفلبين، وإمكانية انضمام الهند وفيتنام. ويحذران من أن الانسحاب الكامل من أوراسيا هو أسرع طريق لتدمير القوة الأمريكية.
ويختتمان: «إن السياسة الأمريكية حالياً محاصرة بين عقلية آسيا أولاً وعقلية الدفاع عن نصف الكرة الغربي. نحن لا نعتقد أن أياً من هذين الخيارين يمكن أن يقدم مساراً صالحاً. الانسحاب الكامل من أوراسيا هو أسرع الطرق لتدمير القوة الأمريكية وأسلوب الحياة الأمريكي».



