200 عام على قصر العيني: تفاصيل أول بعثة طبية مصرية إلى باريس
أول بعثة طبية مصرية إلى باريس في ذكرى 200 عام لقصر العيني

أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر، وذلك في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه.

قصة أول بعثة طبية مصرية إلى باريس

شهد عام 1832 منعطفًا تاريخيًا حاسمًا في مسيرة التعليم الطبي بمصر، حينما أصدر الدكتور كلوت بك، بمباركة وتوجيه من الوالي محمد علي باشا، قرارًا استراتيجيًا بإيفاد نوابغ الخريجين من الدفعة الأولى لمدرسة الطب المصرية بأبو زعبل التي تأسست عام 1827 إلى العاصمة الفرنسية باريس، بهدف استكمال دراساتهم العليا والاحتكاك بالمدارس الطبية الأوروبية المتقدمة، ليعودوا بعد ذلك محملين بأعلى الشهادات والخبرات ويتولوا أمانة التدريس لأبناء وطنهم، مشكلين بذلك النواة الوطنية الخالصة لهيئة التدريس بالكلية والركيزة الأساسية لمشروع تمصير التعليم الطبي واستغناء البلاد تدريجيًا عن الكوادر الأجنبية.

أعضاء البعثة التاريخية

وضمت هذه البعثة التاريخية الأولى، التي سافر معها كلوت بك بنفسه ليرعاها ويشرف على إلحاق أعضائها بالمستشفيات الفرنسية، اثني عشر طبيبًا من أوائل الامتحان النهائي لمدرسة الطب، والذين غدوا لاحقًا من عمالقة الفكر والطرق الطبية في مصر، وهم الأطباء الأجلاء: أحمد الرشيدي النوابغ في الطب الباطني وصياغة المصطلحات الطبية، وإبراهيم الهواري، وحسن الرشيدي، ومحمد منصور، وحسن الههياوي، وعيسوي النبراوي الذي تميز في الجراحة وأصبح طبيبًا خاصًا للوالي، ومصطفى السبكي، ومحمد الشباسي، ومحمد السكري، ومحمد شافعي الذي تولى إدارة مدرسة الطب لاحقًا، وأحمد نجيب، ومحمد علي البقلي الذي ارتقى ليصبح رئيسًا لمدرسة الطب وحكيمباشي الجيش المصري وأحد أشهر الجراحين في التاريخ.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التحديات والنجاح الباهر

ورغم عظم المسؤولية، فقد واجه هؤلاء الأطباء الشبان في بداية وصولهم إلى فرنسا معاناة شديدة وتحديات بالغة القسوة تمثلت في غربتهم الطويلة، واختلاف العادات والبيئة، وصعوبة دراسة أمهات العلوم الطبية بلغة أجنبية لم يألفوها من قبل، إلا أنهم جابهوا تلك الصعاب بجلد وصبر ومثابرة عز نظيرها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وبناءً على الرؤية التدقيقية للوالي محمد علي باشا للتحقق من كفاءتهم وقدرتهم العالية على التحصيل العلمي، خضع أعضاء البعثة فور وصولهم للامتحان الدقيق والصارم أمام الأكاديمية الطبية الفرنسية في باريس، حيث تشكلت لجنة اختبار علمية مهيبة برئاسة رئيس الجامعة الطبية وسكرتيرها الدائم، وضمت في عضويتها نخبة من أشهر وأبرز فطاحل الطب والأساتذة في فرنسا آنذاك، وفي مقدمتهم الدكاترة لاري، وماجندي، وروش، وكلوكيت، وبيجن، وفي قاعة مدرسة الطب الباريسية، وتحديدًا في الثامن عشر من نوفمبر لعام 1832، وبحضور رفيع المستوى من أعضاء المجمع العلمي الفرنسي ومشاهير الأطباء في أوروبا، وكان على رأسهم الدكتور مارك والبارون دوبوا، اجتاز الأطباء الشبان المصريون هذا الاختبار الصعب بنجاح باهر ومتميز أدهش اللجنة الفرنسية بكفاءة تشريحهم الدقيق وعمق معلوماتهم، ونالوا ثناءً عاطرًا في كبريات الصحف الفرنسية حينها، وهو ما دفع البروفيسور الفرنسي الشهير ديبويتران لإبداء إعجابه الشديد وتوجيه ثناء تاريخي لهم أكد فيه أن تضلع هؤلاء الشبان بمعارف الطب وإجاباتهم الدقيقة بالرغم من حداثة عهدهم باللغة الفرنسية يعد خير دليل على أنهم الخلف الصالح لأسلافهم العظام من علماء الطب العربي كابن سينا والرازي وأبي القاسم الزهراوي.

العودة إلى الوطن وتمصير التعليم الطبي

وعقب انتهاء سنوات بعثتهم الدراسية التي تكللت بنجاح واكتسابهم التخصصات الدقيقة في مستشفيات باريس الكبرى كالرمد والجراحة والباطنة والتوليد، عاد هؤلاء الأعلام إلى أرض الوطن بعد أن قضوا في رحلتهم العلمية ثماني سنوات وتسعة أشهر كاملة ليرسموا ملامح مصر الطبية الحديثة، حيث تعينوا كأول أساتذة مصريين يباشرون مهامهم الأكاديمية والسريرية بمدرسة الطب ومستشفياتها الجامعية، وقادوا حركة رائدة ومخلصة في تعريب العلوم الطبية لقرابة ست وثمانين وثيقة وكتابًا علميًا من أمهات الكتب الطبية في العالم، مما جعل التعليم الطبي في مصر خلال القرن التاسع عشر يُدرس باللغة العربية وبأعلى كفاءة، فضلًا عن دورهم القيادي في إدارة المستشفيات العسكرية والمدنية وتأسيس النظام الصحي الوقائي.

إرث البعثات المتعاقبة

وتلا هذه البعثة المباركة زملائهم من الخريجين في بعثات متعاقبة حتى كان هناك على الأقل اثنا عشر طبيبًا سنويًا في أوروبا يستقون من معارفها، وجرى تطبيق نظام أكاديمي صارم لترقي الكوادر وتعيينهم، حيث استقر العرف التنظيمي على أنه لا يعين أحد في درجة الأستاذية إلا من قضى خمس سنوات كاملة كمساعد للأستاذ الأول، مما أسهم في تمصير المنظومة بالكامل وإحلال الكوادر الوطنية المؤهلة لإدارة هذا الصرح التعليمي العظيم وتأكيد ريادته الإقليمية والدولية المستمرة حتى يومنا هذا.