25 أبريل 1982.. يوم بكت فيه إسرائيل واحتفل المصريون بعودة سيناء
25 أبريل 1982.. يوم ودعت إسرائيل سيناء واحتفلت مصر

في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، كانت الصحف الإسرائيلية تحبس مشاهد الحزن بين صفحاتها. فبينما كانت المطابع في القاهرة تجهز أخبار الاحتفال بعودة شبه جزيرة سيناء، ضمن مفاوضات سلام مضنية فرضت فيها مصر كلمتها بعد انتصار القوات المسلحة في معركة العزة والكرامة في السادس من أكتوبر 1973، لتزف خبر رفع العلم المصري، كانت المطابع في تل أبيب توثق بمرارة مشهد إنزال علم إسرائيل ودموع الوداع الأخير لمستوطنات إسرائيلية أصبحت حطاماً.

أرشيف الصحف الإسرائيلية يوثق انكسار حلم الاحتلال

لم يكن المشهد مجرد انسحاب عسكري، بل لحظة فاصلة في تاريخ صراع طويل. فعلى أرض سيناء، كان العلم المصري يُرفع للمرة الأولى فوق كامل التراب الوطني بعد سنوات من الاحتلال، بينما على الجانب الآخر، كانت القوات الإسرائيلية تُنهي وجوداً استمر منذ عام 1967، انتهى بعد سنوات من التفاوض، حيث فتحت حرب السادس من أكتوبر الباب أمام عودة سيناء لمصر، واستكملت الدبلوماسية المسار.

وثَّقت الصحف الإسرائيلية الصادرة في 25 و26 أبريل 1982، المرارة التي عاشها الإسرائيليون في ذلك التوقيت، كما أشارت إلى فرحة المصريين واحتفالهم، حيث لم يكن الاحتفال رسمياً فقط، بل في الشوارع، وفي البيوت، وفي الذاكرة الجمعية. تحولت سيناء إلى رمز عبرت عنه احتفالات المصريين بالأغاني الوطنية، مع الاحتفالات الرسمية، لتشكل لحظة نادرة التقت فيها الدولة والشعب على معنى واحد وهو استعادة السيادة على سيناء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

يديعوت أحرونوت تسلط عدسة حزينة فوق أنقاض مستوطنة ياميت

في صباح 25 أبريل 1982، جاءت الصفحة الأولى لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية كوثيقة لنهاية مرحلة كاملة. وكان المانشيت الرئيسي: إنزال علم إسرائيل في سيناء، والصورة الرئيسية هي صورة مستوطنة ياميت وهي مدمرة تماماً، بواسطة تصوير جوي خاص للصحيفة الإسرائيلية. وفي أسفل يسار الصفحة الأولى خبر بعنوان: اليوم - عيد وطني في مصر، وفي العنوان الشارح تذكر الصحيفة أن هناك مراسم عسكرية احتفالية في سيناء، وفي القاهرة يضع الرئيس حسني مبارك الزهور على قبر الرئيس أنور السادات، رحمهما الله. وبين السطور، يتسلل إحساس ثقيل بالانسحاب من سيناء وتفكيك المستوطنات، ووصف للحظات حزن الجنود الإسرائيليين.

دافار ترسم جدارية البؤس الإسرائيلي

وفي اليوم نفسه، صدرت جريدة دافار الإسرائيلية بعنوان يوضح المأساة بين جموع الإسرائيليين، فجاء المانشيت الرئيسي: إسرائيل تنفصل اليوم عن سيناء، وفي العناوين الشارحة أن الجيش الإسرائيلي أنهى عملية الانسحاب من سيناء دون مراسم مشتركة مع المصريين. وأسفل المانشيت صورتان لمستوطنة ياميت وهي مدمرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وياميت كانت أكبر مستوطنة إسرائيلية في سيناء، أقامها الاحتلال في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة على ساحل البحر المتوسط قرب رفح، كجزء من مشروع استيطاني إسرائيلي في سيناء. بلغ عدد منازلها نحو 600 مسكن وسكانها نحو 2.500 مستوطن، وهُدمت بالكامل قبل الانسحاب منها في أبريل 1982 تنفيذاً لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979. وكانت إسرائيل خططت لجعل ياميت مدينة عظمى يسكنها نحو 200 ألف مستوطن، واعتبرتها نقطة اتصال بين سيناء والنقب، إذ كان الهدف الإسرائيلي منها أمنياً - استيطانياً، يثبت وجوداً إسرائيلياً دائماً على الساحل، ويخلق جسراً أرضياً بين النقب وسيناء.

ووفق مؤرخين إسرائيليين، كان لدى الحكومة الإسرائيلية نية للاحتفاظ بياميت في سيناء، لكن النصوص النهائية لاتفاقية السلام نصّت على الانسحاب الكامل من سيناء، ما أدى إلى قرار إخلاء ياميت قسراً. وفي 21 أبريل 1982 بدأ ما عُرف في المصادر الإسرائيلية بعملية اليمامة الحمراء لإخلاء ياميت، واستخدمت فيها الشرطة الإسرائيلية القوة لمواجهة مقاومة المستوطنين الذين رفضوا إخلاء المستوطنة وأغلقوا الأبواب على أنفسهم في بعض المباني. وقبل تسليم الأرض لمصر، قامت قوات الهندسة في الجيش الإسرائيلي بهدم كامل مباني ياميت بالجرافات، حتى لا تُترك مدينة سكنية قابلة للاستخدام.

معاريف تكشف دراما الساعات الأخيرة ودموع المستوطنين

وفي صباح اليوم التالي، جاءت صحيفة معاريف في عددها الصادر يوم 26 أبريل 1982 بعناوين ومواضيع صحفية مشحونة بالرمزية، فلم تنقل خبراً عادياً، بل توثق حالة مركبة من التوتر والارتباك، وهي تغطي تفاصيل الانسحاب الأول من نوعه من أرض احتلتها إسرائيل بعد حرب يونيو 1967. ففي الصفحة الأولى جاءت الصورة الرئيسية مركبة من 3 مشاهد، أولها مشهد لإنزال العلم الإسرائيلي من مستوطنة أوفيرا، التي أقامها الاحتلال الإسرائيلي في مدينة شرم الشيخ، أما المشهد الثاني والثالث فهما لجنود الاحتلال الموجودين هناك وهم منهمرون في البكاء عند رؤية العلم الإسرائيلي ينكس من أعلى سارية العلم.

من العنوان الأول (المانشيت)، بدا واضحاً أن الصحيفة تحاول صياغة رواية تبريرية للحدث، لتأكيد أن تدمير مستوطنة ياميت كان ضرورة لتجنب مرارة إسرائيلية، وأن الانسحاب من سيناء كان جرحاً نفسياً، تحاول اللغة الصحفية التخفيف من وطأته عبر تقديمه كخيار محسوب لا كخسارة مفروضة. وأسفل هذا التبرير، جاء الإعلان عن ملف صحفي بعنوان وداعاً يا سيناء، ما يعكس مشهداً يتجاوز السياسة، يكشف التناقض الذي عاشه المجتمع الإسرائيلي بين سلام يُفرض بالعقل، وحزن من خسارة فادحة لأوهام الصهيونية التي كانت تسعى لاحتلال دائم لشبه جزيرة سيناء.

وفي الصفحة الثالثة من عدد صحيفة معاريف في 26 أبريل 1982، جاءت الصورة الرئيسية لخط الحدود بين مصر وإسرائيل بعد تنفيذ الانسحاب، وفي الجانب المصري يظهر المصريون وهم يحتفلون بالأعلام المصرية، بينما يقف جنود الاحتلال في الجانب الآخر وهم في حالة من البؤس والحزن. وفي خبر في الصفحة نفسها بعنوان الكثير من الجنود بكوا عند إنزال العلم من قاعدة أوفيرا، وصفت التفاصيل حيث أنزل جنود إسرائيليون العلم، والدموع تملأ عيونهم، في الساعة 7:35 صباحاً، وهم يغادرون القاعدة العسكرية في أوفيرا مستقلين الحافلات وحاملين لافتات كُتب عليها: لن ننساك يا شرم الشيخ، ونشعر بالحزن بدونك يا شرم الشيخ.

في الوقت نفسه، لم تغفل الصحيفة البعد الاستراتيجي، ونقلت تصريحات منسوبة لمناحيم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت، تؤكد أن الانسحاب من سيناء لن يكون سابقة، في إشارة إلى أن ما حدث لن يتكرر، وأن الانسحاب من سيناء استثناء، لا قاعدة. ليتجلى القلق الإسرائيلي الحقيقي من الانسحاب من سيناء: هل يشكل السلام مع مصر نموذجاً يُفرض لاحقاً في ملفات أخرى؟

علم مصر يرفرف فوق كل سيناء

وفي اليوم نفسه، 26 أبريل 1982، صدرت صحيفة دافار الإسرائيلية والمانشيت الرئيسي علم مصر يرفرف فوق كل سيناء، ليوثق لحظة عودة سيناء إلى السيادة المصرية بعد معركة خاضها الجيش المصري ببسالة لتحرير الأرض من المغتصبين، ومسار مفاوضات معقدة انتصرت فيها أيضاً الدبلوماسية المصرية وفرضت السلام.

ليصبح الخامس والعشرون من أبريل 1982 ليس مجرد موعد في سجل التاريخ، بل لحظة كثيفة المعنى أعادت رسم ملامح المنطقة. في ذلك اليوم، التقت نهايتان في مشهد واحد، نهاية احتلال عسكري إسرائيلي في سيناء، وبداية مرحلة جديدة استعادت فيها مصر كامل سيادتها على أرضها.