من السكن الكريم إلى العلاج العاجل وتطوير الريف وبناء الشخصية المصرية، تواصل الدولة تنفيذ رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي التي تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها الأساسية، في إطار الجمهورية الجديدة التي لا تكتفي ببناء الطرق والمدن، بل تستهدف بناء المواطن نفسه صحيًا وتعليميًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
لم تعد قضية تنمية الإنسان في مصر مجرد عنوان سياسي أو شعار تنموي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسار عمل متكامل تقوده الدولة عبر حزمة واسعة من المبادرات الرئاسية والبرامج القومية. ويؤكد الواقع الملموس أن هذه المبادرات شكلت نقطة فارقة ومضيئة في المجتمع المصري، انطلاقًا من الحرص على إحداث تغييرات نوعية وبناء الإنسان المصري صحيًا واجتماعيًا وتعليميًا، مع ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الحياة في جميع المحافظات.
وفي هذا السياق، برز المشروع القومي للتنمية البشرية "بداية جديدة لبناء الإنسان" باعتباره ترجمة مباشرة لفلسفة الجمهورية الجديدة؛ حيث يستهدف تعزيز الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال برنامج عمل متكامل يشمل الصحة والتعليم والثقافة والرياضة وتوفير فرص العمل، بالتنسيق بين جهات الدولة والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص، بما يضمن وصول ثمار التنمية إلى جميع الفئات العمرية وفي كل الأقاليم.
توجيهات الرئيس السيسي.. الإنسان أولًا
تعكس توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي مسارًا واضحًا يقوم على أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من بناء المواطن، لا سيما في ملفات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والسكن اللائق. ومن هنا جاءت المبادرات الرئاسية كأدوات تنفيذية مباشرة تستهدف التدخل السريع في القضايا الأكثر إلحاحًا، مع تحقيق عدالة توزيع الخدمات وتقليص الفجوات بين الريف والحضر وبين الفئات الأولى بالرعاية وباقي شرائح المجتمع.
وتؤكد الرؤية الرسمية أن التنمية البشرية لم تعد ملفًا منفصلًا عن التنمية الاقتصادية أو العمرانية، بل أصبحت إطارًا جامعًا يربط بين جودة التعليم وإتاحة الرعاية الصحية ورفع كفاءة البيئة السكنية وتوفير فرص العمل وترسيخ الهوية الوطنية. ومن هنا جاء مشروع "بداية جديدة لبناء الإنسان" ليضع هذه القطاعات داخل حزمة واحدة، ويحولها من جهود متفرقة إلى سياسة دولة شاملة تستهدف الارتقاء بجودة الحياة في معناها الواسع.
بناء الإنسان ليس شعارًا
تشير البيانات الرسمية إلى أن هذه الفلسفة تُرجمت إلى مبادرات تغطي قطاعات متعددة، من بينها تطوير الريف وإنهاء قوائم الانتظار للعمليات الجراحية ومشروعات تحسين السكن وبرامج الرعاية الاجتماعية والصحية. واللافت أن هذه البرامج لا تستهدف خدمة قطاع واحد فقط، بل تبني نموذجًا متكاملًا يربط بين الحق في المسكن والحق في الصحة والحق في فرص أفضل للحياة والعمل.
مصر بلا عشوائيات
يعد ملف القضاء على العشوائيات من أبرز النماذج التي تُظهر كيف ترجمت الدولة مفهوم تنمية الإنسان إلى تغيير ملموس في حياة المواطنين. فالمسألة لم تقتصر على إزالة مبانٍ متهالكة أو نقل سكان من مكان يهدده الخطر إلى آخر، بل امتدت إلى إعادة صياغة البيئة المعيشية بالكامل عبر إنشاء مجتمعات سكنية مجهزة بالخدمات الأساسية من مدارس ووحدات صحية ومناطق تجارية وخدمات اجتماعية، بما يحفظ كرامة المواطن ويؤسس لحياة أكثر أمنًا واستقرارًا.
ذكرت الهيئة العامة للاستعلامات أن إجمالي عدد المناطق غير الآمنة على مستوى الدولة بلغ 357 منطقة تضم 242,905 وحدات، حيث تم تطوير 296 منطقة تضم 175,897 وحدة خلال الفترة من يونيو 2014 حتى يونيو 2020، مع استمرار العمل في مناطق أخرى ضمن خطة أوسع تشمل أيضًا تطوير المناطق غير المخططة حتى عام 2030. كما برزت مشروعات قومية كبرى مثل الأسمرات وبشائر الخير وروضة السيدة والمحروسة وأهالينا ومعًا، باعتبارها نماذج بارزة لبدائل سكنية حضارية متكاملة.
350 ألف أسرة.. وسكن بديل يغير معنى الحياة
في أحدث عرض رئاسي للملف، كشف الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD ماتياس كورمان أمس، عن أن نحو 350 ألف أسرة استفادت من جهود القضاء على العشوائيات بعد توفير أكثر من 300 ألف وحدة سكنية مجهزة جديدة لهم، مما يعكس حجم التحول من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة تغيير الواقع المعيشي بالكامل عبر نقل المواطنين إلى مناطق حضارية أكثر أمنًا وتنظيمًا وإنسانية.
لا تقتصر أهمية هذا الملف على حدود البناء والتشييد؛ فالقضاء على العشوائيات ارتبط أيضًا بتقليل المخاطر الاجتماعية والصحية وتحسين فرص التعليم والعمل ودمج الأسر في بيئة حضارية تساعد على الاستقرار. ومن هنا أصبح السكن الكريم أحد أعمدة مشروع الدولة لبناء الإنسان، لأنه يمثل نقطة البداية في أي مسار تنموي حقيقي.
المبادرة الرئاسية للقضاء على قوائم الانتظار
في إطار بناء الإنسان المصري، جاء ملف الرعاية الصحية كأحد أكثر الملفات تعبيرًا عن فلسفة التدخل المباشر لصالح المواطن. ولهذا أطلقت الدولة المبادرة الرئاسية لإنهاء ومنع تراكم قوائم الانتظار للعمليات الجراحية الحرجة، بهدف تخفيف المعاناة عن المرضى وتقديم الخدمة الطبية بأعلى جودة وكفاءة من دون تحميل المواطن أي أعباء مالية، مع المتابعة قبل الجراحة وبعدها وتكامل العمل بين مختلف مقدمي الخدمة الصحية في المستشفيات الحكومية والأهلية والخاصة.
تكشف أحدث الأرقام الرسمية أن المبادرة نجحت حتى يناير 2026 في إجراء أكثر من 3.77 مليون عملية جراحية في التخصصات الطبية الحرجة، بينما تجاوز عدد الحالات المستفيدة حاجز الـ 3 ملايين حالة. وتغطي المبادرة مجموعة كبيرة من التخصصات تشمل الأورام وجراحات العظام والعيون والقسطرة القلبية والمخ والأعصاب والقلب المفتوح وزراعة الكبد والكلى وزراعة القوقعة والأوعية الدموية والقسطرة الطرفية والمخية وجراحات الصدر والعيوب الخلقية للأطفال وزرع النخاع.
لا يُقاس نجاح هذه المبادرة بعدد العمليات فقط، بل أيضًا بما خلقته من إحساس لدى المواطن بأن الدولة قادرة على التدخل لإنقاذه في أكثر اللحظات حرجًا. فحين يتحول العلاج من عبء مالي وزمني مرهق إلى خدمة مضمونة وسريعة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على جودة الحياة وعلى ثقة الناس في مؤسساتهم وعلى المعنى العملي لفكرة الجمهورية الجديدة بوصفها دولة استجابة وكفاءة وعدالة.
حياة كريمة ونحو 58 مليون مستفيد
تمثل مبادرة "حياة كريمة" أحد أهم المشروعات التي تجسد توجيهات الرئيس السيسي لتنمية الإنسان، لأنها لا تستهدف تحسين خدمة واحدة أو قطاع منفرد، بل تعيد بناء بيئة الحياة في القرى الأكثر احتياجًا. المبادرة التي أطلقتها رئاسة الجمهورية في يناير 2019 تهدف إلى الارتقاء بمستوى الحياة اليومية للمواطنين وتقديم خدمات صحية وتنمية القرى الأكثر احتياجًا وفق خرائط الفقر وتوفير فرص عمل بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما يجعلها مشروعًا شاملًا للعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية في آن واحد.
شملت المرحلة الأولى من المبادرة 1477 قرية، فيما تستهدف المرحلة الثانية 1500 قرية في 14 محافظة معظمها في وسط وجنوب الصعيد. كما تغطي المبادرة قطاعات واسعة تشمل البنية التحتية ومياه الشرب والصرف الصحي والصحة والتعليم والخدمات الحكومية والزراعة ومراكز الشباب والكهرباء والتمكين الاقتصادي والرعاية الاجتماعية، وهو ما يبرز طبيعتها بوصفها مشروعًا تنمويًا متعدد الأبعاد لا مجرد برنامج خدمات تقليدي.
إذا كانت المرحلتان الأولى والثانية تعكسان التوسع التنفيذي للمبادرة على الأرض، فإن التقارير الرسمية تشير إلى أن المشروع القومي لتطوير الريف المصري المرتبط بـ"حياة كريمة" يستهدف في مجمله 4584 قرية في 175 مركزًا داخل 20 محافظة بإجمالي نحو 58 مليون مستفيد، مما يؤكد أن المبادرة تعد من أضخم مشروعات التنمية الريفية والاجتماعية ليس في تاريخ الدولة المصرية الحديث فحسب، بل على مستوى العالم أجمع، وهو ما أهلها للحصول على إشادات وجوائز إقليمية ودولية عديدة.
لا يقتصر الرهان الحقيقي في هذه المبادرة على تنفيذ آلاف المشروعات، وإنما في تحويل القرية المصرية إلى مساحة قابلة للحياة والنمو والفرص. فحين تتوافر المدرسة والوحدة الصحية والصرف الصحي والطرق والخدمات الحكومية والتدريب ومصادر العمل، فإن المواطن لا يحصل فقط على خدمة أفضل، بل على فرصة جديدة لحياة أكثر كرامة واستقرارًا وإنتاجًا.
بداية جديدة لبناء الإنسان
رغم تنوع المبادرات والبرامج، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا هو السعي إلى بناء إنسان قادر على التعلم والعمل والعيش في بيئة صحية وآمنة. ومن هنا يكتسب مشروع "بداية جديدة لبناء الإنسان" أهمية خاصة، لأنه يربط بين المبادرات المختلفة داخل إطار موحد يهدف إلى الاستثمار في رأس المال البشري وتحسين جودة الحياة وترسيخ الهوية المصرية من خلال التنسيق بين الدولة والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص.
هذا الربط بين الصحة والتعليم والثقافة والرياضة والعمل يكشف أن الدولة لم تعد تتعامل مع المواطن باعتباره متلقيًا لخدمة منفصلة، بل باعتباره محورًا لسياسات عامة مترابطة؛ فالسكن الكريم يدعم الاستقرار، والخدمة الصحية السريعة تصون الكرامة، وتطوير القرى يفتح أفقًا للعدالة، والتعليم والثقافة يعيدان تشكيل الوعي، وفرص العمل تمنح التنمية معنى مستدامًا.
خلاصة: الجمهورية الجديدة تبنى بالإنسان
في المجمل، تكشف توجيهات الرئيس السيسي لتنمية الإنسان في الجمهورية الجديدة عن رؤية دولة تراهن على المواطن بوصفه أساس الاستقرار والتقدم. فالقضاء على العشوائيات لم يكن مجرد مشروع إسكان، وإنما استرداد لحق الأسر في الأمان والكرامة. وإنهاء قوائم الانتظار لم يكن مجرد تطوير صحي، بل إنقاذًا لحياة الملايين دون تمييز أو أعباء. أما "حياة كريمة" فقد مثلت نقلة واسعة نحو إعادة توزيع التنمية جغرافيًا واجتماعيًا بحيث تصل إلى القرى والمراكز الأكثر احتياجًا.
وهكذا، فإن الجمهورية الجديدة كما تعكسها هذه المبادرات لا تُبنى فقط بالخرسانة والطرق والمشروعات، بل ببناء إنسان يتمتع بصحة أفضل وسكن أفضل وتعليم أوسع وخدمات أكثر عدالة وفرص أرحب للمستقبل. وهذه هي الرسالة الأوضح: أن تنمية الإنسان لم تعد بندًا ضمن أولويات الدولة، بل أصبحت عنوانًا جامعًا لكل ما تنفذه على الأرض.



