غزة تحت القصف اليومي.. نتنياهو يراهن على حرب مفتوحة لتحقيق مكاسب سياسية
يواجه قطاع غزة مشهداً سياسياً معقداً، حيث تتقاطع الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار مع الحديث عن التهدئة عبر خطة السلام الأمريكية. في ظل استمرار القصف الإسرائيلي المتواصل، يتساقط الشهداء الفلسطينيون يومياً، ما يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الاتفاق وقدرته على الصمود.
الخروقات الإسرائيلية وتصاعد الضحايا
ميدانياً، تستهدف سلطات الاحتلال الإسرائيلي المدنيين بصورة يومية عبر القصف الجوي والمدفعي، خاصة في مناطق النازحين، مع استمرار القيود على حركة البضائع والمساعدات. وفقاً لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى أكثر من 783 شهيداً، إضافة إلى 2171 مصاباً، وتسجيل 761 حالة انتشال. كما بلغت الحصيلة الإجمالية للحرب منذ 2023 نحو 72,558 شهيداً و172,274 مصاباً، مما يكشف عن الكلفة البشرية الثقيلة.
نتنياهو والتلاعب بالتصعيد العسكري
تتبنى إسرائيل سياسة تقوم على التصعيد العسكري لتجنب الظهور كطرف مجبر على التفاوض، حيث تزعم أن عملياتها تستهدف مواقع أمنية، لكنها في الواقع تطال بيئات مدنية هشة. حكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب، تسعى لمواصلة العمليات العسكرية للحفاظ على بقائها في السلطة، خاصة مع تراجع شعبيتها واقتراب الانتخابات المتوقعة في أكتوبر المقبل. هذا يعزز فرضية توظيف التصعيد كأداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي، حتى لو كان الثمن شن حروب أبدية.
حماس وتحريك المفاوضات
في المقابل، تتحرك حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ضمن هامش دقيق، حيث تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال مراحله، مع إظهار مرونة تفاوضية في محادثاتها مع الوسطاء في القاهرة. أجرت الحركة لقاءات مع فصائل فلسطينية ووسطاء في مصر لبحث تطبيق التزامات المرحلة الأولى والتحضير للمرحلة الثانية، مؤكدة تعاملها بإيجابية مع المقترحات. ومع ذلك، تصطدم هذه المرونة بواقع ميداني يفرضه استمرار القصف، مما يضع الحركة أمام معادلة صعبة بين ضبط النفس والحفاظ على صورتها كمقاومة.
اتفاق التهدئة وهشاشته
على المستوى السياسي، يتضح أن اتفاق التهدئة لم يتحول إلى إطار مستقر، بل يبقى أداة لإدارة الصراع، مع غياب آليات إلزام واضحة واستمرار الخلافات حول تنفيذ بنود المرحلة الأولى. في هذا السياق، طالبت أكثر من 190 منظمة مجتمع مدني البنك الدولي بالانسحاب من مجلس السلام، منتقدة دوره في تعميق الاقتلاع الفلسطيني وترسيخ مقاربة استعمارية.
ترامب ومجلس السلام: شكوك اقتصادية
يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه المشهد اقتصادياً عبر مجلس السلام، الذي اقترحه في سبتمبر 2025 للإشراف على خطته لإنهاء الحرب. وفقاً لتقارير، أجرى ممثلو المجلس محادثات مع شركة دي بي ورلد الإماراتية حول إدارة سلاسل التوريد ومشاريع البنية التحتية في غزة، بما في ذلك إنشاء ميناء جديد أو منطقة تجارة حرة. تبلغ تكلفة إعادة إعمار غزة نحو 70 مليار دولار، بعد تدمير أربعة أخماس المباني. يثير المجلس انتقادات واسعة كشكل من الاستعمار الجديد، مع شكوك حول أهدافه المالية والسياسية.
المستقبل الغامض لغزة
في المحصلة، تقف غزة أمام مرحلة انتقالية دقيقة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع مشروعات إعادة الإعمار، في ظل غياب أفق سياسي واضح. بينما تستمر التهدئة الهشة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المرحلة ستقود إلى استقرار طويل الأمد، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة في صراع لم تحسم نهايته بعد.



