علي صالح: هل غدرت واشنطن بدول الخليج في ظل الحرب الإيرانية وإعادة ترتيب الشرق الأوسط؟
هل غدرت أمريكا بدول الخليج في الحرب الإيرانية؟

علي صالح يكتب: هل غدرت الولايات المتحدة بدول الخليج في خضم الحرب الإيرانية؟

مع هدوء ضجيج الحرب الإيرانية، يبرز مشهد جديد يكشف أن المواجهة العسكرية المباشرة كانت مجرد غطاء لعملية إعادة ترتيب أوسع لبنية الإقليم في الشرق الأوسط. فالتصعيد الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران لم يعد مجرد فصل من فصول الاحتكاك العسكري التقليدي، بل تحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه "إعادة برمجة بطيئة لموازين القوة الإقليمية في الشرق الأوسط".

بداية القصة: تفوق عسكري وأهداف متشابكة

بدأت القصة من فكرة بدت واضحة في ظاهرها: تفوق عسكري أمريكي–إسرائيلي قادر على كبح إيران أو تقليص نفوذها أو حتى دفعها إلى تغيير سلوكها الإقليمي. لكن مع امتداد العمليات، تداخلت الأهداف وتشابكت النتائج، فلم يعد واضحًا أين ينتهي الهدف العسكري ويبدأ الهدف السياسي، ولا أين تقف حدود النجاح أو الفشل. فبينما نجحت الضربات في إضعاف بعض القدرات الإيرانية التقليدية واستهداف البنية العسكرية والقيادات، بقيت أسئلة أكبر بلا إجابة: هل تغيّر سلوك الدولة؟ وهل تغيّرت موازين الردع فعلاً؟

تحولات الجغرافيا الاقتصادية: الخليج في قلب النتائج

في هذه اللحظة تحديدًا، بدأت الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة تتحرك بصمت. لم يكن الخليج طرفًا مباشرًا في القرار، لكنه كان في قلب النتائج. فمضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يمر عبره جزء كبير من طاقة العالم، تحوّل مرة أخرى إلى مركز ثقل عالمي، ليس فقط كمعبر نفطي، بل كورقة سياسية قادرة على رفع أو خفض حرارة الاقتصاد العالمي خلال أيام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ومع اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والطاقة، لم تعد تداعيات الحرب محصورة في ساحات الاشتباك، بل امتدت إلى الأسواق، والموانئ، وميزانيات الدول المستهلكة للطاقة في آسيا وأوروبا، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

إدراك دول الخليج: من الاستقرار إلى الحساسية العالية

هنا بدأت دول الخليج تدرك—بشكل عملي لا نظري—أن موقعها الجغرافي لم يعد مصدر استقرار تلقائي، بل مصدر حساسية عالية في النظام الدولي. فهي ليست ساحة حرب، لكنها أيضًا ليست خارج الحرب. إنها المنطقة التي تمر عبرها نتائج الصراع أكثر مما تمر فيها المعارك نفسها. ومع كل اضطراب في الإمدادات أو تهديد للممرات البحرية، يتعزز شعور جديد: أن الاستقرار لم يعد "معطى"، بل "متغيرًا".

الولايات المتحدة: من الضامن إلى الموازن

في الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تتحرك ضمن حسابات أكثر اتساعًا من الإقليم نفسه. فواشنطن التي دخلت المواجهة بأهداف كبيرة - من إضعاف البرنامج النووي الإيراني إلى تقليص نفوذها الإقليمي - وجدت نفسها أمام كلفة تتجاوز حدود الشرق الأوسط. فاستنزاف الذخائر المتقدمة، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتزايد الضغوط من الحلفاء المتضررين اقتصاديًا، كلها عناصر جعلت القرار الأمريكي أقرب إلى إدارة توازنات عالمية معقدة، لا إلى فرض حسم إقليمي مباشر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

هذا التحول لم يكن انسحابًا صريحًا، لكنه بدا—في نظر بعض الحلفاء—كأنه انتقال من دور "الضامن" إلى دور "الموازن". أي أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك بمنطق الحماية المطلقة، بل بمنطق توزيع الانتباه بين عدة مسارح عالمية، على رأسها التنافس مع الصين. وفي هذه المسافة بين الحماية الكاملة والحضور الانتقائي، بدأت دول الخليج تشعر بأن هامش الاعتماد التقليدي يتغير، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسميًا.

إيران: إعادة توزيع الألم بدل الحسم

وفي المقابل، لم تكن إيران تبحث عن نصر تقليدي. استراتيجيتها، كما تكشفها مجريات الأحداث، كانت أقرب إلى "إعادة توزيع الألم" بدل تحقيق الحسم. فهي وإن تلقت ضربات قاسية على مستوى البنية العسكرية والقيادات، فإنها استطاعت نقل جزء كبير من تأثير الصراع إلى الخارج: إلى أسواق الطاقة، وإلى أمن الحلفاء الإقليميين، وإلى حسابات الاقتصاد العالمي. بهذا المعنى، لم يكن الهدف أن تنتصر في معركة واحدة، بل أن تجعل أي انتصار ضدها مكلفًا لدرجة تعيد التفكير في جدواه.

تشكل صورة أكثر تعقيدًا: لا منتصر ولا مهزوم

ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تتشكل بشكل أكثر تعقيدًا. فإيران، رغم ضعفها النسبي عسكريًا، لم تنهَزم. والولايات المتحدة، رغم تفوقها العملياتي، لم تحقق أهدافها القصوى. أما دول الخليج، فوجدت نفسها في موقع مختلف: ليست خاسرة في حرب، لكنها الأكثر تعرضًا لارتداداتها. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس عليها باعتبارها منتجًا ومصدرًا، لكن اضطراب الملاحة يهددها باعتبارها جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي، وليس فقط الإقليمي. وهكذا تصبح الخسارة هنا ليست حدثًا واحدًا، بل تراكبًا من الضغوط غير المباشرة.

المفاوضات والمشهد الجديد: من الردع إلى إدارة التوتر

ومع دخول المفاوضات مرحلة أكثر حساسية، تتضح ملامح المشهد الجديد: لا أحد قادر على فرض حسم كامل، ولا أحد قادر على تجاهل كلفة الاستمرار. فالمنطقة تتحول تدريجيًا من نظام يقوم على الردع الصارم، إلى نظام يقوم على إدارة التوتر. وهذا التحول، رغم أنه يبدو أقل عنفًا، إلا أنه أكثر تعقيدًا، لأنه يقوم على عدم اليقين الدائم.

إعادة تعريف النظام الإقليمي: لا غدر ولا انتصار

في هذا السياق، لا يمكن القول إن الولايات المتحدة "غدرت" بالخليج، ولا إن إيران "انتصرت" بالمعنى التقليدي، ولا إن الخليج "خسر" حربًا واضحة المعالم. بل الأصح أن النظام الإقليمي نفسه دخل مرحلة إعادة تعريف. فالمظلة الأمنية لم تعد ثابتة كما كانت، والخصوم لم يعودوا يسعون إلى الحسم النهائي، والحلفاء لم يعودوا يتحركون ضمن قواعد مستقرة.

لحظة الخليج: إعادة تعريف الأمن والتكيّف

وهكذا يقف الخليج اليوم أمام لحظة مختلفة في تاريخه الحديث: لحظة لا يُطلب فيها منه فقط أن يختار تحالفاته، بل أن يعيد تعريف معنى الأمن ذاته. أمن لا يقوم فقط على الحماية الخارجية، بل على القدرة الداخلية على التكيّف مع عالم لم يعد يمنح ضمانات طويلة الأمد.

الشرق الأوسط: نحو استقرار هش وإدارة مستمرة

وفي أفق هذا التحول، يبدو أن الشرق الأوسط لا يتجه إلى نهاية صراع، بل إلى شكل جديد من الاستقرار الهش، استقرار لا يقوم على غياب الحرب، بل على إدارة احتمالاتها باستمرار.