مقارنة بين فلسفتي عزيز صدقي ومصطفى مدبولي في إدارة الاقتصاد المصري
في لحظاتٍ يبدو فيها الواقع الاقتصادي معقدًا وتتفوق الأرقام على قدرة المجتمع على التحمل، يبرز السؤال حول التحولات الجذرية في إدارة الاقتصاد المصري. بين تجربة عزيز صدقي، رئيس الوزراء الأسبق، وتجربة مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء الحالي، لا نجد مجرد اختلاف بين شخصين، بل تحولًا عميقًا في الفلسفة الاقتصادية. هذا التحول ينقل مصر من دولة تركز على البناء للإنتاج إلى دولة تركز على البناء للتسويق والعمران، على الأقل في الظاهر.
عصر عزيز صدقي: الصناعة كعمود فقري للاستقلال
في ظل مشروع الدولة الذي قاده جمال عبد الناصر، لم تكن الصناعة مجرد قطاع اقتصادي عادي، بل كانت العمود الفقري لفكرة الاستقلال الوطني. كان بناء المصانع يعادل إنشاء مؤسسات سيادية، حيث كانت كل مدخنة ترتفع في سماء مدينة صناعية ترمز إلى قدرة مصر على الإضافة للعالم بمنتجات محلية الصنع. في تلك الفترة، شهدت مصر ولادة قلاع صناعية كبرى، وتكوين طبقة عاملة، وتطور خبرات فنية وهندسية، رغم بعض أوجه القصور اللاحقة في الإدارة والكفاءة. لكن الجوهر بقي قائمًا على فكرة أن القيمة الحقيقية تُخلق داخل خطوط الإنتاج، وأن السيادة الاقتصادية تبدأ من القدرة على التصنيع.
عصر مصطفى مدبولي: التركيز على العمران والبنية التحتية
في المقابل، يعمل مصطفى مدبولي في زمن مختلف تمامًا، حيث تتشابك الأسواق العالمية وتتقلص الحدود أمام رأس المال، وتضغط التحديات التمويلية بشدة على صانعي القرار. لم يعد من الممكن استنساخ نموذج الستينيات، ولا تجاهل احتياجات البنية التحتية المتراكمة لعقود. لذلك، اتجهت الدولة إلى بناء طرق ومدن جديدة ومشروعات عمرانية ضخمة، في محاولة لخلق بيئة جاذبة للاستثمار، مع الاعتماد على قطاع العقارات كأحد أسرع القطاعات في تحريك الاقتصاد وتوليد السيولة. حقق هذا التوجه نتائج ملموسة في تحسين الشكل العمراني وشبكات الطرق والخدمات، وخلق فرص عمل واسعة في قطاع التشييد، وأعاد رسم خريطة جغرافية جديدة للعمران في مصر.
التساؤلات والتحديات الاقتصادية الحالية
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بهدوء هو: هل يكفي العمران وحده ليكون محركًا مستدامًا للنمو الاقتصادي؟ وهل يمكن للاقتصاد أن يعتمد طويلًا على تسعير الأصول دون تعميق الإنتاج الحقيقي؟ هنا يظهر الفارق الجوهري بين التجربتين؛ فاقتصاد عزيز صدقي كان يسعى إلى إنتاج سلع قابلة للتصدير وتدر عملة صعبة بشكل مستمر، بينما يميل الاقتصاد الحالي إلى تحقيق مكاسب كبيرة من تطوير الأصول، لكنها غالبًا ما تكون مكاسب غير متكررة أو مرتبطة بقدرة السوق المحلية على الشراء. مع تزايد الضغوط الاقتصادية، مثل الديون المرتفعة ومعدلات التضخم التي أثقلت كاهل المواطن، يصبح التساؤل أكثر إلحاحًا حول ما إذا كان المجتمع يدفع تكلفة مسار لم تكتمل ثماره بعد، أم أن هذا المسار يحتاج إلى إعادة ضبط.
البحث عن التوازن بين العمران والإنتاج
لا يعني ذلك إنكار الإنجازات المحققة، فكل مرحلة لها سياقها وأدواتها وحدودها. لكن المقارنة تظل مفيدة لأنها تكشف ما ينقص الصورة الحالية أكثر مما تدينها. الدولة التي نجحت في تشييد بنية تحتية ضخمة تمتلك الآن فرصة حقيقية لتحويل هذا الإنجاز إلى قاعدة انطلاق نحو إنتاج صناعي وتكنولوجي متقدم، بدلاً من أن تظل البنية التحتية هدفًا في حد ذاتها. السؤال الأهم هو: أين موقع المصنع في الخريطة الاقتصادية الجديدة؟ وأين موقع العامل والمهندس والتقني من هذا المشهد اللامع؟ وهل يمكن أن تتحول المدن الجديدة من تجمعات سكنية راقية إلى مراكز إنتاج حقيقية تضيف إلى الناتج القومي أكثر مما تستهلك؟
إن الحنين إلى تجربة عزيز صدقي لا ينبغي أن يكون حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، كما أن الدفاع عن السياسات الحالية لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للتحديات. المسألة في جوهرها هي البحث عن توازن مفقود، يجعل من العمران وسيلة لا غاية، ومن الاستثمار العقاري داعمًا للإنتاج لا بديلًا عنه. فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج، بل بما تنتجه من قيمة مستدامة، ولا بما تنفقه من مليارات، بل بما تحققه من عائد يشعر به المواطن في حياته اليومية.
بينما تمضي مصر في طريقها، يبقى السؤال مفتوحًا دون إجابة حاسمة: هل نحن في مرحلة انتقالية ستقود في نهايتها إلى اقتصاد أكثر توازنًا وصلابة، أم أننا نؤجل مواجهة سؤال الإنتاج الحقيقي؟ الإجابة لن تأتي من الخطابات ولا من الأرقام المجردة، بل من الواقع نفسه حين ينجح في تحويل الطموح العمراني إلى قوة إنتاجية، وحين يشعر المواطن أن ما يتحمله اليوم من أعباء قد تحول فعلًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.



